تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
ذاك أنهم يعلمون أنه من جنس الوحي الذي نزل على أنبيائهم وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله - إلى أن كتبهم تشتمل على بشارات بذلك النبي لم تكن لتخفى على علمائهم في عصر التنزيل كما قال تعالى :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
. وقد اعترف بذلك من أنار اللّه بصيرتهم من أهل الكتاب فآمنوا ، وأنكر بعضهم الحق وكتمه بغيا وحسدا فباء بالخسران المبين .
( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )
الخطاب إما للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمراد به غيره على طريق التعريض كقوله :
« وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » *
وتقدم الكلام على مثل هذا وإما - له والمراد النهى عن الشك في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل بالحق - أو الخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء على مثال قوله :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ »
( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا )
قد تطلق الكلمة على الجملة والطائفة من القول في غرض واحد ؛ فإذا كتب أحد أو خطب في موضوع ما قيل كتب أو قال كلمة ، وكانوا يسمون القصيدة كلمة ، وقالوا كلمة التوحيد يعنون
( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) *
والمراد بها هنا ما أريد بها في قوله :
« وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ »
والمعنى - وتمت كلمة ربك فيما وعدك به من نصرك ، وأوعد به المستهزئين بالقرآن من الخذلان والهلاك ، كما تمت في الرسل وأعدائهم من قبلك كما قال :
« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ
.
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
.
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ »
. وتمامها صدقا هو حصولها على الوجه الذي أخبر به ، وتمامها عدلا باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون ، وللمؤمنين بما يستحقون أيضا ، وقد يزادون على ذلك فضلا من اللّه ورحمة ، والمراد بالخبر هنا لازمه وهو تأكيد ما تضمنته الآيات من تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلم على كفر هؤلاء المعاندين وإيذائهم له ولأصحابه ، وإيئاس للطامعين من المسلمين في إيمانهم حين إيتائهم الآيات المقترحة .