تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
روى ابن جرير عن ابن زيد أن قوم إبراهيم قالوا حين قال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض : ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجه إليه ، فرد عليهم بأنه حنيف أي مخلص له لا يشرك به كما يشركون ا ه . يريد أنه مائل عن معبوداتهم الباطلة وعن غيرها ، فتوجهه وإسلامه خالص ، لا يشوبه شرك ولا رياء ، وما هو من المشركين به الذين يتوجهون إلى غيره من المخلوقات كالكواكب أو الملائكة أو الملوك أو الصالحين أو ما يتخذ لهم من الأصنام والتماثيل . وظاهر ما حكاه اللّه عن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم أن قومه كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أربابا ويتخذون الكواكب أربابا آلهة ، والإله هو المعبود وكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها ، والرب : هو السيد المالك المربّى المدبر المتصرف ، وليس للخلق رب ولا إله إلا اللّه الذي خلقهم ، فهو المالك لكل شئ وفي كل زمن وعلى كل حال ، وملك غيره ناقص موقوت فهو المعبود بحق ، والعبادة : هي التوجه بالدعاء والتعظيم القولي أو العملي إلى ذي السلطان الأعلى خالق الخلق والموجد له والمتصرف فيه . والأصل في اختراع عبادة غير اللّه من حجر أو شجر أو شمس أو قمر أمران : ( 1 ) إن بعض ضعاف الأحلام رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه ، فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق ليس خاضعا لسنن اللّه في الأسباب والمسببات . ( 2 ) اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه كل من توجه إليها ، فيتوسل ذو الحاجة إليها بدعائها وتعظيمها بالقول أو الفعل لحمله تعالى بتأثيرها على قبوله وإعطائه سؤله . وقد أقاموا مقام هذه المخلوقات : التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يذكّر بها ، وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت عليها العرب زمن البعثة ، ومن ثم كانوا يقولون في طوافهم بالبيت الحرام : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . وكان قوم إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة ، إذ أنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم ولا تبصر عبادتهم ولا تقدر على نفعهم
تفسير المراغي — صفحة 173 | أحمد مصطفى المراغي