تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
ثم رغبهم في المغفرة فقال :
( إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً )
أي إنه تعالى مبالغ في المغفرة والرحمة لمن استغفره .
( وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ )
هذا الخطاب وجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو أعدل الناس وأكملهم مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة في كثير من الحكام ، وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم ، لأن ضررها عائد إليهم ، والذين يختانون هم هذا السارق ومن عاونه ، لأنه شريك له في الإثم والخيانة ، ولهم نظراء في كل زمان ومكان . وخلاصة المعنى - لا تدافع عن هؤلاء الخونة ولا تساعدهم عند التخاصم .
( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً )
المراد بعدم الحب البغض والسخط : أي إن اللّه يبغض من اعتاد الخيانة وألفت نفسه اجتراح السيئات وضريت عليها ولم يعدّ للعقاب الإلهىّ الرهبة والخشية التي ينبغي أن يفكّر مثله فيها ، وإنما يحب اللّه أهل الأمانة والاستقامة . ثم بين أحوال الخائنين ، ونعى عليهم أفعالهم فقال :
( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ )
أي إن شأن هؤلاء الخوانين أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام إما حياء وإما خوفا من ضررهم ، ولا يستترون من اللّه ولا يستحيون منه بتركها لضعف إيمانهم ، إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم ، فمن يعلم أن اللّه يراه في حنادس الظلمات لا بد أن يترك الذنب والخيانة حياء منه تعالى وخوفا من عقابه ، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلا ما لا يرضى من القول ، تبرئة لأنفسهم ورمى غيرهم بجريمتهم . ثم توعدهم على عظيم جرمهم فقال :
( وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً )
أي حافظا لأعمالهم ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه . ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخوانين والحدب عليهم فقال :
تفسير المراغي — صفحة 149 | أحمد مصطفى المراغي