تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وقال الرازي : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال . ثم بين سبحانه حال جماعة آخرين وبالغ في ذمهم فقال :
( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ )
هؤلاء فريق ممن لم يهتدوا بالإسلام ولم يتصدوا إلى مجالدة أهله وقتالهم فكانوا مذبذبين بين المؤمنين والكافرين ، فهم قد غلت عليهم أرواحهم ، ورخصت عليهم عقولهم ، يظهرون لكل من الفئتين أنهم منهم أو معهم ؛ وقد روى عن مجاهد أن ناسا كانوا يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا .
( كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها )
أي كلما دعوا إلى الشرك ( كما روى عن السدى ) أركسوا فيه وتحولوا إليه أقبح تحول ، فهم يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين . إما بإظهار الإسلام ، وإما بالعهد على السلم وترك القتال ثم يفتنهم المشركون أي : يحملونهم على الشرك أو على مساعدتهم على قتال المسلمين ، فيرتكسون ويتحولون شر التحول معهم ، وهكذا يفعلون ذلك المرة بعد المرة ، فهم قد مردوا على النفاق . وقد بين اللّه حكمهم بقوله :
( فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ )
أي فإن لم يعتزلوكم ويتركوكم وشأنكم ويلتزموا الحياد ويلقوا إليكم السلم : أي زمام المسالمة على الطريق التي ترونها نافعة لكم ، ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين أو عن الدسائس - فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فلا علاج لهم غير ذلك كما ثبت بالتجارب والاختبار .
( وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً )
أي وأولئكم جعلنا لكم عليهم حجة واضحة ، وبرهانا ظاهرا على قتالهم .