وخلاصة هذا - إن محمدا صلوات اللّه عليه على دين إبراهيم في جزئيات الأحكام وكلياتها ، فأحل ما أحله هو من أكل لحوم الإبل وألبانها ، ودعا إلى التوحيد والبراءة من كل معبود سوى اللّه ، وما كان إبراهيم صلوات اللّه عليه إلا على هذا الدين .
ثم أجاب عن الشبهة الثانية فقال :
( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ )
أي إن البيت الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدا للناس ، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام للعبادة ، ثم بنى المسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون ، بناه سليمان عليه السلام سنة 1005 قبل الميلاد فكان جعله قبلة أولى ، وبذا يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وإسماعيل صلوات اللّه عليهما .
والخلاصة - إن أول بيوت العبادة الصحيحة التي بناها الأنبياء هو البيت الحرام ، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه فيما يؤثر من تواريخهم ، ويتبع هذا أولية الشرف والتعظيم .
ثم بين فضائله فقال :
( 1 ، 2 )
( مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ )
تطلق البركة على معنيين : أحدهما النموّ والزيادة ، وثانيهما البقاء والدوام كما يقال تبارك اللّه .
والبركة والهداية من فضائله الحسية والمعنوية .
أما الأولى فهي أنه قد أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شئ مع كونه بواد غير ذي زرع كما قال اللّه تعالى :
« يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ »
فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة ، وأقل ثمنا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة كمصر والشام .
وأما الثانية فلأن القلوب تهوى إليه ، فتأتي الناس مشاة وركبانا من كل فج عميق لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة ، ويولّون وجوههم شطره في صلاتهم