تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وكل منهما واجب على العلماء لا هوادة فيه ، وكفى بهذه الآية حجة عليهم وهي آكد من قوله :
« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
.
( فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ )
أي لم يبالوا به ولم يهتموا بشأنه ، وقد كان من الواجب عليهم أن يجعلوه نصب أعينهم لا شيئا مهملا ملقى وراء الظهور لا ينظر إليه ، ولا يفكّر في أمره ، فقد كان منهم الذين لا يستفيدون منه شيئا - ويحملونه كما يحمل الحمار الأسفار ، ومنهم الذين يحرّفونه عن مواضعه ، ومنهم الذين لا يعلمون منه إلا أماني يتمنونها وقراءات يقرءونها . وإن هذا لينطبق على المسلمين اليوم أتم الانطباق ، فهم قد اتبعوا سنن من قبلهم ونهجوا نهجهم حذو القذّة بالقذة ، فما بالهم عن التذكرة معرضين ، وكتاب اللّه بين أيديهم شاهد عليهم ، وهو يتلى بين ظهرانيهم .
( وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا )
أي أخذوا عوضا منه فائدة دنيوية حقيرة فغبنوا في هذا البيع والشراء ، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرءوسين من حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية ، وشهواتها الفاسدة ، وكانوا يؤولون الكتاب ويحرفونه لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام أو الرجاء فيهم ، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره ، أو لإرضاء العامة أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم .
( فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ )
أي إن ما يشترونه ذميم قبيح لأنهم جعلوا الفاني بدلا من النعيم الدائم الذي يحصل للأمة من اتباعها لكتابها وهديها بإرشاده ، وتهذيب أخلاقها بآدابه وجمع كلمتها حول تعاليمه ، وبذا تحول بينها وبين المستبدين فيها ، وتصبح عزيزة الجانب متكافلة متضامنة ، أمر أهلها بينها شورى .