تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ )
أي قال له بعد مبعثه كم يوما لبثت يا عزير ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم بناء على ظنه وتخمينه ، فقال له : ما لبثت هذا المقدار ؟ بل لبثت مدة . متطاولة . ومع ذلك لم يلحق طعامك وشرابك تغيّر مما تجرى العادة بمثله حين مرور الزمان وتطاول الأعوام . والقصد من السؤال إظهار عجزة عن الإحاطة بشئونه تعالى ، وليطّلع أثناء ذلك على بدائع قدرته بإبقاء الغذاء الذي لم يتسارع إليه الفساد مع مضى الزمن الطويل ، وليعلمه أن إحياءه كان بعد مدى طويل ، وبذا يزول من نفسه الاستبعاد الذي خطر على باله أولا .
( وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ )
كيف نخرت عظامه ، وتقطعت أوصاله وتمزقت ، ليستبين لك طول لبثك ، وتطمئن بذلك نفسك .
( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ )
أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك وإحياء حمارك ، وحفظ ما معك من الطعام والشراب ، ليزيل تعجبك ، ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك ، ولنجعلك آية للناس . أما كونه آية له فواضح ، وأما كونه آية للناس فلأن علمهم بموته مائة عام ثم بحياته بعد ذلك يكون من أكبر الآيات التي يهتدى بها من يشاهدها ، إلى كمال قدرة اللّه وعظيم سلطانه . وبعد أن أراه الآية التي تكون حجة على من رآها في قوله :
( فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ )
نبهه إلى الدليل الذي يحتج به على إمكان البعث في كل مكان وزمان ، وهو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه فقال :
( وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً )
أي إن القادر على أن يكسو هذه العظام لحما ويمدها بالحياة ويجعلها أصلا لجسم حي - قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية ، وكذلك القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى آلاف السنين ، فبعض أفعاله تعالى يشبه بعضا .