عرضة لبغى المختلفين وإيذائهم ، وإن كانوا يريدون الخير لهم ، حثّ المؤمنين هنا على الثبات والمصابرة في تحمل المشاقّ التي تصيبهم من الكفار ، كما لقى الأنبياء ومن معهم من أمثالهم من الشدائد ومقاساة الهموم ، وكان عاقبة أمرهم الفلج والنصر عليهم .
روى أن الآية نزلت في غزوة أحد حين غلب المشركون المؤمنين ، وشجوا رأس النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكسروا رباعيته
، وقيل نزلت في غزوة الأحزاب حين اجتمع المشركون مع أهل الكتاب وتحالفوا على الإيقاع بالمسلمين ، وأصاب المؤمنين يومئذ جهد وشدة وجوع وضروب من الأذى ، وأبدى المنافقون صفحة العداوة والبغضاء للمؤمنين الصادقين وقالوا كما قال الذين في قلوبهم مرض
« ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً »
وقال صادقو الإيمان على قلتهم وضعفهم وجوعهم وعريهم :
« هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً »
الإيضاح
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ )
هذا خطاب للذين هداهم اللّه إلى السلم والخروج من ظلمة الخلاف إلى نور الوفاق باتباعهم هدى الكتاب زمن التنزيل ، وهم أهل الصدر الأول من المسلمين ، وفيه العبرة لمن يأتي بعدهم ويظنون أن في انتسابهم إلى الإسلام الكفاية في دخول الجنة ، جهلا منهم بسنة اللّه في أهل الهدى منذ أن خلقهم أن يتحملوا الشدائد والإيذاء في طريق الحقّ وهداية الخلق .
والخلاصة - إنه قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب ودعوا إلى الحق فآذاهم الناس في ذلك فصبروا وثبتوا ، أفتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون على الشدائد كما ثبتوا ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتنالوا رضوان اللّه من غير أن تفتنوا في سبيل الحق ، فتصبروا على ألم الفتنة ، وتؤذوا في اللّه ، فتصبروا على الإيذاء كما هي سنة اللّه في أنصار الحق وأهل الهداية في كل زمان ؟