تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ )
أي فاجعل وجهك بحيث يلي جهة المسجد الحرام ، وفي ذكر
( الْمَسْجِدِ الْحَرامِ )
دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة حين الصلاة إذا كان بعيدا عنها بحيث لا يراها ، ولا يجب استقبال عينها إلا لمن يراها بعينه .
( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )
أي وفي أىّ مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في الصلاة ، وهذا يقتضى أن يصلّوا في بقاع الأرض المختلفة إلى سائر الجهات ، لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق ، ولا كاليهود الذين يلتزمون جهة المغرب . وقد وجب لهذا أن يعرف المسلمون موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ، ومن ثمّ عنوا عناية عظيمة بعلم تقويم البلدان بقسميه الفلكي والأرضي ( الجغرافية الفلكية والأرضية ) . والأوامر التي جاءت في الكتاب الكريم موجهة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هي له ولأمته ، إلا إذا دلّ دليل على أنها خاصة به كقوله :
« خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ »
وقوله
« وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ »
. وإنما أكد الأمر باستقباله ، ووجّهه إلى المؤمنين بعد أن أمر به نبيه ، وشرفهم بالخطاب بعد خطاب رسوله ، لتشتدّ عزيمتهم وتطمئنّ قلوبهم ، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون وأهل الكتاب واليهود بعزيمة صادقة وثبات على اتباع الرسول ، ثم عاد إلى بيان حال السفهاء مثيرى الفتنة في تحويل القبلة فقال :
( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ )
أي وإن أهل الكتاب يعلمون أن ذلك التولي شطر المسجد الحرام ، هو الحق المنزل من اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم مع هذا يفتنون ضعاف المؤمنين في دينهم ويتقبلون ذلك منهم ، إذ يذكرون للناس أقوالا على أنها من كتبهم ، وما هي من كتبهم ، ولكن يريدون بذلك الخداع والفتنة والتهويش على الذين في قلوبهم مرض ، بإثارة الشكوك في نفوسهم ، ومن ثمّ كذب اللّه هؤلاء المخادعين ، وبيّن أنهم يقولون ما لا يعتقدون ،