فقوله تعالى :
فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً
يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حياله بأن يراد السائرات سيرا سريعا فيما تعلمه ، أو المبادرات . وإذا كان
السَّابِحاتِ
بمعنى الخيل كان ( السابقات ) إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوّهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدوّ ، أو على معنى غلبهم أعداءهم .
وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو
سَبْقاً
للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق .
فَالْمُدَبِّراتِ
: الموصوفة بالتدبير .
والتدبير : جولان الفكر في عواقب الأشياء وبإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له فإن كانت السابحات جماعات الملائكة ، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه فعل المدبر المتثبت .
وإن كانت السابحات خيل الغزاة فالمراد بالتدبير : تدبير مكائد الحرب من كرّ ، وفر ، وغارة ، وقتل ، وأسر ، ولحاق للفارين ، أو ثبات بالمكان . وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفرسان وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير ، كما قال تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[ الحج : 27 ] ، فأسند الإتيان إلى ضمير
كُلِّ ضامِرٍ
من الإبل لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة يكون بسير الإبل .
وفي هذا المجاز إيماء إلى حذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها .
والأمر : الشأن والغرض المهم وتنوينه للتعظيم ، وإفراده لإرادة الجنس ، أي أمورا .
وينتظم من مجموع صفات
النَّازِعاتِ
، و
النَّاشِطاتِ
، و
السَّابِحاتِ
، إذا فهم منها جماعات الرماة والجمّالة والفرسان أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مشاة وهم الرماة بالقسي ، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي قدّام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة . قال أنيف بن زبّان الطائي :
وتحت نحور الخيل خرشف رجلة * تتاح لغرّات القلوب نبالها
ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضا بتهديد المشركين بحرب تشن عليهم