تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
ولا يستقيم أن يكون
مِنَ
بيانا للناس إذ لا يطلق اسم
النَّاسِ
على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد . وقدم
الْجِنَّةِ
على
النَّاسِ
هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين ، لأن اللّه عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم قال تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
[ الحجر : 42 ] فإن اللّه أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه فزكّى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ الأنفال : 30 ] ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد اللّه . والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع الجن كما يقال : إنسيّ للواحد من الإنس . وتكرير كلمة
النَّاسِ
في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية اللّه تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم كقوله تعالى :
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ
[ آل عمران : 78 ] . وأما تكريره المرة الثالثة بقوله :
فِي صُدُورِ النَّاسِ
فهو إظهار لأجل بعد المعاد . وأما تكريره المرة الرابعة بقوله :
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ما صدق كلمة
النَّاسِ
في المرّات السابقة . واللّه يكفينا شر الفريقين ، وينفعنا بصالح الثقلين . تم تفسير « سورة الناس » وبه تم تفسير القرآن العظيم . يقول محمد الطاهر ابن عاشور : قد وفيت بما نويت ، وحقق اللّه ما ارتجيت فجئت بما سمح به الجهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته ، مما اقتبس الذهن من أقوال الأئمة ، واقتدح من زند لإنارة الفكر وإلهاب الهمّة ، وقد جئت بما أرجو أن أكون وفّقت فيه للإبانة عن حقائق مغفول عنها ، ودقائق ربما جلت وجوها ولم تجل كنها ، فإن هذا منال لا يبلغ العقل البشري إلى تمامه ، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاء