تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
إبطال أن يكون اللّه والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلهين : إله الخير وهو الأصل ، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير ، لأن إله الخير وهو المسمى عندهم ( يزدان ) فكّر فكرة سوء فتولد منه إله الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) ، وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله :
قال أناس باطل زعمهم * فراقبوا اللّه ولا تزعمن
فكّر ( يزدان ) على غرة * فصيغ من تفكيره ( أهرمن )
وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى عليه السّلام بتوهمهم أنه ابن اللّه وأن ابن الإله لا يكون إلّا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن للّه ، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم . فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها فبطل أن يكون عيسى إلها . فلما أبطلت الجملة الأولى إلهية إله غير اللّه بالأصالة ، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير اللّه بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلهية غير اللّه بالفرعية والتولد بطريق الكناية . وإنما نفي أن يكون اللّه والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ، لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن اللّه سيتخذ ولدا في المستقبل . [ 4 ]

[ سورة الإخلاص ( 112 ) : آية 4 ]

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) في معنى التذييل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه انتفاء شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
[ الحج : 73 ] . والواو في قوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً
اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
[ سبأ : 17 ] فإنها تذييل لجملة
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
[ سبأ : 17 ] ، ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذييل تبعا للمعنى ، والنكت لا تتزاحم .