تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
كان اللبس مأمونا . وقال السهيلي في « الروض الأنف » : إن ( ما ) الموصولة يؤتى بها لقصد الإبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب : سبحان ما سبّح الرعد بحمده ، وقوله تعالى :
وَالسَّماءِ وَما بَناها
كما تقدم في سورة الشمس [ 5 ] . [ 4 ]

[ سورة الكافرون ( 109 ) : آية 4 ]

وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) عطف على
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
[ الكافرون : 3 ] عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أو يعبدوا اللّه فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم ، وعطفه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
فجاء به على طريقة :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
بالجملة الاسمية . للدلالة على الثبات ، وبكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال ، فلما نفى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
كما تقدم آنفا ، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال ، بما هو صريح الدلالة على ذلك لأن المقام يقتضي مزيد البيان ، فاقتضى الاعتماد على دلالة المنطوق إطنابا في الكلام ، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات . وحصل من ذلك تقرير المعنى السابق وتأكيده ، تبعا لمدلول الجملة لا لموقعها ، لأن موقعها أنها عطف على جملة :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
وليست توكيدا لجملة :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
بمرادفها لأن التوكيد للفظ بالمرادف لا يعرف إلا في المفردات ولأن وجود الواو يعيّن أنها معطوفة إذ ليس في جملة :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
واو حتى يكون الواو في هذه الجملة مؤكدا لها . ولا يجوز الفصل بين الجملتين بالواو لأن الواو لا يفصل بها بين الجملتين في التوكيد اللفظي . والأجود الفصل ب ( ثم ) كما في « التسهيل » مقتصرا على ( ثم ) . وزاد الرضي الفاء ولم يأت له بشاهد ولكنه قال : « وقد تكون ( ثم ) والفاء لمجرد التدرج في الارتقاء وإن لم يكن المعطوف مترتبا في الذكر على المعطوف عليه وذلك إذا تكرر الأول بلفظه نحو : باللّه ، فاللّه ، ونحو واللّه ثم واللّه » . وجيء بالفعل الماضي في قوله :
ما عَبَدْتُّمْ
للدلالة على رسوخهم في عبادة الأصنام من أزمان مضت ، وفيه رمز إلى تنزهه صلى اللّه عليه وسلم من عبادة الأصنام من سالف الزمان وإلا لقال : ولا أنا عابد ما كنا نعبد . [ 5 ]

[ سورة الكافرون ( 109 ) : آية 5 ]

وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 )