تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما قال تعالى :
وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
[ سبأ : 35 ] . وقال الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر
روى مسلم عن عبد اللّه بن الشّخّير قال : « انتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت » فهذا جار مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمله الآية . والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
وقوله :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
[ التكاثر : 6 ] إلى آخر السورة ، ولأن هذا ليس من خلق المسلمين يومئذ . والمراد بالخطاب : سادتهم وأهل الثراء منهم لقوله :
ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
[ التكاثر : 8 ] ، ولأن سادة المشركين هم الذين أثاروا ما هم فيه من النعمة على التهمّم بتلقي دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم فتصدّوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإصغاء له . فلم يذكر الملهى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه ، والإنصاف بتصديقه . وهذا الإلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي . وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا الخلق مذموم عند اللّه ، وأنه من خصال أهل الشرك فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك فيحذرون من أن يلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب المؤمنين :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
[ الحديد : 20 ] الآية . وقوله :
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
غاية ، فيحتمل أن يكون غاية لفعل
أَلْهاكُمُ
كما في قوله تعالى :
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
[ طه : 91 ] ، أي دام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر ، أي استمرّ بكم طول حياتكم ، فالغاية مستعملة في الإحاطة