تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
ومن المفسرين من فسر
يَرْجُونَ
بمعنى : يخافون ، وهو تفسير بحاصل المعنى ، وليس تفسيرا للّفظ . وفعل
كانُوا
دال على أن انتفاء رجائهم الحساب وصف متمكن من نفوسهم وهم كائنون عليه ، وليس المراد بفعل
كانُوا
أنهم كانوا كذلك فانقضى لأن هذه الجملة إخبار عنهم في حين نزول الآية وهم في الدنيا وليست مما يقال لهم أو عنهم يوم القيامة . وجيء بفعل
يَرْجُونَ
مضارعا للدلالة على استمرار انتفاء ما عبر عنه بالرجاء ، وذلك لأنهم كلما أعيد لهم ذكر يوم الحساب جدّدوا إنكاره وكرروا شبهاتهم على نفي إمكانه لأنهم قالوا :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
[ الجاثية : 32 ] . والحساب : العدّ ، أي عدّ الأعمال والتوقيف على جزائها ، أي لا يرجون وقوع حساب على أعمال العباد يوم الحشر . و
كَذَّبُوا
عطف على
لا يَرْجُونَ
، أي وإنهم كذبوا بآياتنا ، أي بآيات القرآن . والمعنى : كذبوا ما اشتملت عليه الآيات من إثبات الوحدانية ، ورسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ولكون تكذيبهم بذلك قد استقر في نفوسهم ولم يترددوا فيه جيء في جانبه بالفعل الماضي لأنهم قالوا :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] . وكذّاب : بكسر الكاف وتشديد الذال مصدر كذّب . والفعّال بكسر أوله وتشديد عينه مصدر فعّل مثل التفعيل ، ونظائره : القصّار مصدر قصّر ، والقضّاء مصدر قضّى ، والخرّاق مصدر خرّق المضاعف ، والفسار مصدر فسّر . وعن الفراء أن أصل هذا المصدر من اللغة اليمنية ، يريد : وتكلم به العرب ، فقد أنشدوا لبعض بني كلاب :
لقد طال ما ثبّطتني عن صحابتي * وعن حوج قضّاؤها من شفائيا
وأوثر هذا المصدر هنا دون تكذيب لمراعاة التماثل في فواصل هذه السورة ، فإنها على نحو ألف التأسيس في القوافي ، والفواصل كالأسجاع ويحسن في الأسجاع ما يحسن في القوافي . وفي « الكشاف » : وفعّال فعّل كلّه فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره . وانتصب
كِذَّاباً
على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله لإفادة شدة تكذيبهم بالآيات .