تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
والإتيان بفعل المضي في قوله
أَفْلَحَ
للتنبيه على المحقق وقوعه من الآخرة ، واقترانه بحرف
قَدْ
لتحقيقه وتثنيته كما في قوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون : 1 ] وقوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] لأن الكلام موجه إلى الأشقين الذين تجنبوا الذكرى إثارة لهمتهم في الالتحاق بالذين خشوا فأفلحوا . ومعنى
تَزَكَّى
: عالج أن يكون زكيا ، أي بذل استطاعته في تطهير نفسه وتزكيتها كما قال تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ الشمس : 9 - 10 ] . فمادة التفعل للتكلف وبذل الجهد ، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها ، فيشمل زكاة الأموال . أخرج البزار عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
قال : من شهد أن لا إله إلا اللّه ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول اللّه ،
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
قال : هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وهو قول ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة . وقدم التزكّي على ذكر اللّه والصلاة لأنه أصل العمل بذلك كله فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعلمت منافعها وأكثرت من الإقبال عليها فالتزكية : الارتياض على قبول الخير والمراد تزكّى بالإيمان . وفعل
ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
يجوز أن يكون من الذّكر اللساني الذي هو بكسر الذال فيكون كلمة
اسْمَ رَبِّهِ
مرادا بها ذكر أسماء اللّه بالتعظم مثل قول لا إلا اللّه ، وقول اللّه أكبر ، وسبحان اللّه ، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
[ الأعلى : 1 ] . ويجوز أن يكون من الذّكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة والمفكرة فتكون كلمة
اسْمَ
مقحمة لتدل على شأن اللّه وصفات عظمته فإن أسماء اللّه أوصاف كمال . وتفريع
فَصَلَّى
على
ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
على كلا الوجهين لأن الذكر بمعنييه يبعث الذاكر على تعظيم اللّه تعالى والتقرب إليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء . وقد رتبت هذه الخصال الثلاث على الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهو المشار إليه بقوله :
تَزَكَّى
، ثم استحضار معرفة اللّه بصفات كماله وحكمته ليخافه ويرجوه وهو المشار