تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلوّ الإلهي إذ هو كلامه . وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات اللّه تعالى ومحاملها على ما يليق بوصف الأعلى فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات . وقد جعل من قوله تعالى :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
دعاء السجود في الصلاة إذ ورد أن يقول الساجد : سبحان ربي الأعلى ، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي . وجملة :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى
اشتملت على وصفين : وصف الخلق ووصف تسوية الخلق ، وحذف مفعول
خَلَقَ
فيجوز أن يقدر عامّا ، وهو ما قدره جمهور المفسرين ، وروي عن عطاء ، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل ، أي خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] . ويجوز أن يقدر خاصا ، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج ، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك ، أي بقرينة قرن فعل
خَلَقَ
بفعل « سوى » قال تعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] الآية . وعطف جملة :
فَسَوَّى
بالفاء دون الواو للإشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة :
يا لهف زيابة للحارث الصّ * أبح فالغانم فالآئب
لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه . فالفاء من قوله :
فَسَوَّى
للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في اعتبار المعتبر على التسوية ، وإن كان حصول التسوية مقارنا لحصول الخلق . والتسوية : تسوية ما خلقه فإن حمل على العموم فالتسوية أن جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادلا ، أي مناسبا للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زبانى العقرب من تسوية خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة . ولكونه مقارنا للخلقة عطف على فعل
خَلَقَ
بالفاء المفيدة للتسبب ، أي ترتّب