تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
والصحف : جمع صحيفة ، وهي قطعة من أديم أو ورق أو خرقة يكتب فيها الكتاب ، وقياس جمعها صحائف ، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس ، وهو الأفصح ولم يرد في القرآن إلا صحف ، وسيأتي في سورة الأعلى ، وتطلق الصحيفة على ما يكتب فيه . و
مُطَهَّرَةٍ
اسم مفعول من طهّره إذا نظّفه . والمراد هنا : الطهارة المجازية وهي الشرف ، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب
مُكَرَّمَةٍ ، مَرْفُوعَةٍ ، مُطَهَّرَةٍ
محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء بها كما قال تعالى :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
[ النمل : 29 ] . وتشريفها كما قال تعالى :
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
[ المطففين : 18 ] وقدسية معانيها كما قال تعالى :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
[ البقرة : 129 ] ، وكان المراد بالصحف الأشياء التي كتب فيها القرآن من رقوق وقراطيس ، وأكتاف ، ولخاف ، وجريد . فقد روي أن كتّاب الوحي كانوا يكتبون فيها كما جاء في خبر جمع أبي بكر للمصحف حين أمر بكتابته في رقوق أو قراطيس ، ويكون إطلاق الصحف عليها تغليبا ويكون حرف ( في ) للظرفية الحقيقية ويكون المراد بالسفرة جمع سافر ، أي كاتب ، وروي عن ابن عباس . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ( بكسر السين ) وللكاتب سافر ؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه يقال : أسفر الصبح ، إذا أضاء وقاله الفراء . ويجوز أن يراد بالصحف كتب الرسل الذين قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام . فتكون هذه الأوصاف تأييدا للقرآن بأن الكتب الإلهية السابقة جاءت بما جاء به . ومعنى كون هذه التذكرة في كتب الرسل السابقين : أن أمثال معانيها وأصولها في كتبهم ، كما قال تعالى :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
[ الأعلى : 18 - 19 ] وكما قال :
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 196 ] وكما قال :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
[ الشورى : 13 ] . ويجوز أن يراد بالصحف صحف مجازية ، أي ذوات موجودة قدسية يتلقى جبريل عليه السلام منها القرآن الذي يؤمر بتبليغه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون إطلاق الصحف عليها لشبهها بالصحف التي يكتب الناس فيها . ومعنى
مُكَرَّمَةٍ
عناية اللّه بها ، ومعنى
مَرْفُوعَةٍ
أنها من العالم العلوي ، ومعنى
مُطَهَّرَةٍ
مقدسة مباركة ، أي هذه التذكرة مما تضمنه علم اللّه وما كتبه للملائكة في صحف قدسية .