إضراب آخر للانتقال إلى إبطال آخر من إبطال معاذيرهم في إعراضهم عن استجابة دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم المبتدئ من قوله :
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ
[ القلم :
36 - 37 ]
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ
[ القلم : 39 ]
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ
[ القلم : 41 ] فإنه بعد أن نفى أن تكون لهم حجة تؤيد صلاح حالهم ، أو وعد لهم بإعطاء ما يرغبون ، أو أولياء ينصرونهم ، عطف الكلام إلى نفي أن يكون عليهم ضر في إجابة دعوة الإسلام ، استقصاء لقطع ما يحتمل من المعاذير بافتراض أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم سألهم أجرا على هديه إياهم ، فصدهم عن إجابته ثقل عزم المال على نفوسهم .
فالاستفهام الذي تؤذن به
أَمْ
استفهام إنكار لفرض أن يكون ذلك مما يخامر نفوسهم فرضا اقتضاه استقراء نواياهم من مواقع الإقبال على دعوة الخير والرشد .
والمغرم : ما يفرض على المرء أداؤه من ماله لغير عوض ولا جناية .
والمثقل : الذي حمل عليه شيء ثقيل ، وهو هنا مجاز في الإشفاق .
والفاء للتفريع والتسبب ، أي فيتسبب على ذلك أنك شققت عليهم فيكون ذلك اعتذارا منهم عن عدم قبول ما تدعوهم إليه .
و
مِنْ مَغْرَمٍ
متعلق ب
مُثْقَلُونَ
، و
مِنْ
ابتدائية ، وهو ابتداء مجازي بمعنى التعليل ، وتقديم المعمول على عامله للاهتمام بموجب المشقة قبل ذكرها مع الرعاية على الفاصلة .
[ 47 ]
[ سورة القلم ( 68 ) : آية 47 ]
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 )
إضراب آخر انتقل به من مدارج إبطال معاذير مفروضة لهم أن يتمسكوا ببعضها تعلة لإعراضهم عن قبول دعوة القرآن ، قطعا لما عسى أن ينتحلوه من المعاذير على طريقة الاستقراء ومنع الخلو .
وقد جاءت الإبطالات السالفة متعلقة بما يفرض لهم من المعاذير التي هي من قبيل مستندات من المشاهدات ، وانتقل الآن إلى إبطال من نوع آخر ، وهو إبطال حجة مفروضة يستندون فيها إلى علم شيء من المعلومات المغيبات عن الناس . وهي مما استأثر اللّه بعلمه وهو المعبر عنه بالغيب ، كما تقدم في قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
في سورة البقرة [ 3 ] . وقد استقر عند الناس كلهم أن أمور الغيب لا يعلمها إلّا اللّه أو من