تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
فقوله نقر ، أي صوّت ، أي صوّت مصوّت . وتقدم ذكر الصور في سورة الحاقة . و ( إذا ) اسم زمان أضيف إلى جملة
نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
وهو ظرف وعامله ما دل عليه قوله :
فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
لأنه في قوة فعل ، أي عسر الأمر على الكافرين . وفاء
فَذلِكَ
لجزاء ( إذا ) لأن ( إذا ) يتضمن معنى شرط . والإشارة إلى مدلول ( إذا نقر ) ، أي فلذلك الوقت يوم عسير . و
يَوْمَئِذٍ
بدل من اسم الإشارة وقع لبيان اسم الإشارة على نحو ما يبين بالاسم المعروف ب « أل » في نحو
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] . ووصف اليوم بالعسير باعتبار ما يحصل فيه من العسر على الحاضرين فيه ، فهو وصف مجازي عقلي . وإنما العسير ما يقع فيه من الأحداث . و
عَلَى الْكافِرِينَ
متعلق ب
عَسِيرٌ
. ووصف اليوم ونحوه من أسماء الزمان بصفات أحداثه مشهور في كلامهم ، قال السموأل ، أو الحارثي :
وأيّامنا مشهورة في عدوّنا * لها غرر معلومة وحجول
وإنما الغرر والحجول مستعارة لصفات لقائهم العدوّ في أيامهم ، وفي المقامة الثلاثين « لا عقد هذا العقد المبجّل ، في هذا اليوم الأغر المحجل ، إلّا الذي جال وجاب ، وشب في الكدية وشاب » وقال تعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
في سورة فصلت [ 16 ] . و
غَيْرُ يَسِيرٍ
تأكيد لمعنى
عَسِيرٌ
بمرادفه . وهذا من غرائب الاستعمال كما يقال : عاجلا غير آجل ، قال طالب بن أبي طالب :
فليكن المغلوب غير الغالب * وليكن المسلوب غير السّالب
وعليه من غير التأكيد قوله تعالى :
قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ الأنعام : 140 ]
قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[ الأنعام : 56 ] . وأشار الزمخشري إلى أن فائدة هذا التأكيد ما يشعر به لفظ
غَيْرُ
من المغايرة فيكون تعريضا بأن له حالة أخرى ، وهي اليسر ، أي على المؤمنين ، ليجمع بين وعيد الكافرين وإغاظتهم ، وبشارة المؤمنين .