التعجيب من حالهم كما يقال : قاتله اللّه ، وويل له ، في مقام التعجب .
والفاء الثانية للتسبب ، أي فهم جديرون بالدعاء عليهم بالإبعاد أو جديرون بالتعجيب من بعدهم عن الحق ، أو عن رحمة اللّه تعالى . ويحتمل أيضا أن يقال لهم يوم الحساب عقب اعترافهم ، تنديما يزيدهم ألما في نفوسهم فوق ألم الحريق في جلودهم .
واللام الداخلة على ( سحقا ) لام التقوية إن جعل ( سحقا ) دعاء عليهم بالإبعاد لأن المصدر فرع في العمل في الفعل ، ويجوز أن يكون اللام لام التبيين لآياته تعلق العامل بمعموله كقولهم : شكرا لك ، فكل من ( سحقا ) واللام المتعلقة به مستعمل في معنييه .
و
لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
يعمّ المخاطبين بالقرآن وغيرهم فكان هذا الدعاء بمنزلة التذييل لما فيه من العموم تبعا للجمل التي قبله .
وقرأ الجمهور
فَسُحْقاً
بسكون الحاء . وقرأه الكسائي وأبو جعفر بضم الحاء وهو لغة فيه وذلك لاتباع ضمة السين .
[ 12 ]
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 12 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 )
اعتراض يفيد استئنافا بيانيا جاء على سنن أساليب القرآن من تعقيب الرهبة بالرغبة ، فلما ذكر ما أعد للكافرين المعرضين عن خشية اللّه أعقبه بما أعد للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والثواب للعلم بأنهم يترقبون ما يميزهم عن أحوال المشركين .
وقدم المغفرة تطمينا لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه ، ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم ، فكان الكلام جاريا على قانون تقديم التخلية على التحلية ، أو تقديم دفع الضر على جلب النفع ، والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفا في قوله :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ
[ الملك : 9 ] .
وتنكير
مَغْفِرَةٌ
للتعظيم بقرينة مقارنته ب
أَجْرٌ كَبِيرٌ
وبقرينة التقديم .
وتقديم المسند على المسند إليه في جملة
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
ليتأتى تنكير المبتدأ ، ولإفادة الاهتمام ، وللرعاية على الفاصلة وهي نكت كثيرة .
[ 13 - 14 ]
[ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )