تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
ترقب السامع لمعرفة ما مهّد له بتلك الجملة ، فبعد أن شكرهم على عملهم خفف عنهم منه . والضمير المنصوب في
تُحْصُوهُ
عائد إلى القيام المستفاد من
أَنَّكَ تَقُومُ
. والإحصاء حقيقته : معرفة عدد شيء معدود مشتق من اسم الحصى جمع حصاة لأنهم كانوا إذا عدّوا شيئا كثيرا جعلوا لكل واحد حصاة وهو هنا مستعار للإطاقة . شبهت الأفعال الكثيرة من ركوع وسجود وقراءة في قيام الليل ، بالأشياء المعدودة ، وبهذا فسر الحسن وسفيان ، ومنه قوله في الحديث « استقيموا ولن تحصوا » أي ولن تطيقوا تمام الاستقامة ، أي فخذوا منها بقدر الطاقة . و
إِنَّ
مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة ، وقد وقع الفصل بين
إِنَّ
وخبرها بحرف النفي لكون الخبر فعلا غير دعاء ولا جامد حسب المتبع في الاستعمال الفصيح . و
إِنَّ
وجملتها سادة مسد مفعولي
عَلِمَ
إذ تقديره علم عدم إحصائكموه واقعا . وفرع على ذلك
فَتابَ عَلَيْكُمْ
وفعل تاب مستعار لعدم المؤاخذة قبل حصول التقصير لأن التقصير متوقع فشابه الحاصل فعبر عن عدم التكليف بما يتوقع التقصير فيه ، بفعل تاب المفيد رفع المؤاخذة بالذنب بعد حصوله . والوجه أن يكون الخطاب في قوله :
تُحْصُوهُ
وما بعده موجها إلى المسلمين الذين كانوا يقومون الليل : إما على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب بعد قوله :
وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ
، وإما على طريقة العام المراد به الخصوص بقرينة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يظن تعذر الإحصاء عليه ، وبقرينة قوله :
أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى
إلخ . ومعنى
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
فصلّوا ما تيسر لكم ، ولما كانت الصلاة لا تخلو عن قراءة القرآن أتبع ذلك بقوله هنا :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
، أي صلوا كقوله تعالى :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[ الإسراء : 78 ] أي صلاة الفجر وفي الكناية عن الصلاة بالقرآن جمع بين الترغيب في القيام والترغيب في تلاوة القرآن فيه بطريقة الإيجاز . والمراد القرآن الذي كان نزل قبل هذه الآية المدنيّة وهو شيء كثير من القرآن المكيّ كله وشيء من المدني ، وليس مثل قوله في صدر السورة
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
[ المزمل : 4 ] كما علمت هنالك .