[ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً ( 16 )
نقل الكلام إلى مخاطبة المشركين بعد أن كان الخطاب موجها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم .
والمناسبة لذلك التخلص إلى وعيدهم بعد أن أمره بالصبر على ما يقولون وهجرهم هجرا جميلا إذ قال له
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
إلى قوله :
وَعَذاباً أَلِيماً
[ المزمل : 11 - 13 ] .
فالكلام استئناف ابتدائي ، ولا يعد هذا الخطاب من الالتفات لأن الكلام نقل إلى غرض غير الغرض الذي كان قبله .
فالخطاب فيه جار على مقتضى الظاهر على كلا المذهبين : مذهب الجمهور ومذهب السكاكي .
والمقصود من هذا الخبر التعريض بالتهديد أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم ممن كذبوا الرسل فهو مثل مضروب للمشركين .
وهذا أول مثل ضربه اللّه للمشركين للتهديد بمصير أمثالهم على قول الجمهور في نزول هذه السورة .
واختير لهم ضرب المثل بفرعون مع موسى عليه السلام ، لأن الجامع بين حال أهل مكة وحال أهل مصر في سبب الإعراض عن دعوة الرسول هو مجموع ما هم عليه من عبادة غير اللّه ، وما يملأ نفوسهم من التكبر والتعاظم على الرسول المبعوث إليهم بزعمهم أن مثلهم لا يطيع مثله كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله :
فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
[ المؤمنون : 47 ] وقد قال أهل مكة
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وقد حكى اللّه عنهم أنهم قالوا
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
[ الفرقان : 21 ] . وقد تكرر في القرآن ضرب المثل بفرعون لأبي جهل وهو زعيم المناوين للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤلبين عليه وأشد صناديد قريش كفرا .
وأكد الخبر ب ( إنّ ) لأن المخاطبين منكرون أن اللّه أرسل إليهم رسولا .
ونكر
رَسُولًا
لأنهم يعلمون المعنيّ به في هذا الكلام ، ولأن مناط التهديد والتنظير ليس شخص الرسول صلى اللّه عليه وسلم بل هو صفة الإرسال .
وأدمج في التنظير والتهديد وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بكونه شاهدا عليهم .