ولذلك لم يذكر في القرآن قسم بجهة غير المشرق والمغرب دون الشمال والجنوب مع أن الشمال والجنوب جهتان مشهورتان عند العرب ، أقسم اللّه به على سنة أقسام القرآن .
وفي إيثار
الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
بالقسم بربها رعي لمناسبة طلوع الشمس بعد غروبها لتمثيل الإحياء بعد الموت .
وتقدم القول في دخول حرف النفي مع ( لا أقسم ) عند قوله :
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ
في سورة الحاقة [ 38 ، 39 ] ، وقوله :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
في سورة الواقعة [ 75 ] .
وقوله :
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ
يحتمل معنيين : أولهما وهو المناسب للسياق أن يكون المعنى على أن نبدلهم خيرا منهم ، أي نبدل ذواتهم خلقا خيرا من خلقهم الذي هم عليه اليوم . والخيرية في الإتقان والسرعة ونحوهما وإنما كان خلقا أتقن من النشأة الأولى لأنه خلق مناسب لعالم الخلود ، وكان الخلق الأول مناسبا لعالم التغير والفناء ، وعلى هذا الوجه يكون
نُبَدِّلَ
مضمنا معنى : نعوّض ، ويكون المفعول الأول ل
نُبَدِّلَ
ضميرا مثل ضمير
مِنْهُمْ
أي نبدلهم والمفعول الثاني
خَيْراً مِنْهُمْ
.
و ( من ) تفضيلية ، أي خيرا في الخلقة ، والتفضيل باعتبار اختلاف زماني الخلق الأول والخلق الثاني ، أو اختلاف عالميهما .
والمعنى الثاني : أن نبدل هؤلاء بخير منهم ، أي بأمّة خير منهم ، والخيرية في الإيمان ، فيكون
نُبَدِّلَ
على أصل معناه ، ويكون مفعوله محذوفا مثل ما في المعنى الأول ، ويكون
خَيْراً
منصوبا على نزع الخافض وهو باء البدلية كقوله تعالى :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
[ البقرة : 61 ] ، ويكون هذا تهديدا لهم بأن سيستأصلهم ويأتي بقوم آخرين كما قال تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[ فاطر : 16 ] وقوله :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
[ محمد : 38 ] .
وفي هذا تثبيت للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتذكير بأن اللّه عالم بحالهم .
وذيل بقوله :
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
، والمسبوق مستعار للمغلوب عن أمره ، شبه بالمسبوق في الحلبة ، أو بالمسبوق في السير ، وقد تقدم في قوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ العنكبوت : 4 ] ، ومنه قول مرة بن عدّاء الفقعسي :