تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والمراد بفرعون فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه السلام وهو ( منفطاح الثاني ) . وإنما أسند الخطء إليه لأن موسى أرسل إليه ليطلق بني إسرائيل من العبودية قال تعالى :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
[ النازعات : 17 ] فهو المؤاخذ بهذا العصيان وتبعه القبط امتثالا لأمره وكذبوا موسى وأعرضوا عن دعوته . وشمل قوله :
وَمَنْ قَبْلَهُ
أمما كثيرة منها قوم نوح وقوم إبراهيم . وقرأ الجمهور
وَمَنْ قَبْلَهُ
بفتح القاف وسكون الباء . وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسر القاف وفتح الباء ، أي ومن كان من جهته ، أي قومه وأتباعه . و
الْمُؤْتَفِكاتُ
: قرى لوط الثلاث ، وأريد بالمؤتفكات سكانها وهم قوم لوط وخصوا بالذكر لشهرة جريمتهم ولكونهم كانوا مشهورين عند العرب إذ كانت قراهم في طريقهم إلى الشام ، قال تعالى :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ الصافات : 137 ، 138 ] وقال :
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها
[ الفرقان : 40 ] . ووصفت قرى قوم لوط ب
الْمُؤْتَفِكاتُ
جمع مؤتفكة اسم فاعل ائتفك مطاوع أفكه ، إذا قلبه ، فهي المنقلبات ، أي قلبها قالب ، أي خسف بها قال تعالى :
جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
[ هود : 82 ] . والخاطئة : إمّا مصدر بوزن فاعلة وهاؤه هاء المرة الواحدة فلما استعمل مصدرا قطع النظر عن المرة ، كما تقدم في قوله :
الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : 1 ] فهو مصدر خطئ ، إذا أذنب . والذنب : الخطء بكسر الخاء ، وإما اسم فاعل خطئ وتأنيثه بتأويل : الفعلة ذات الخطء فهاؤه هاء تأنيث . والتعريف فيه تعريف الجنس على كلا الوجهين ، فالمعنى : جاء كل منهم بالذنب المستحق للعقاب . وفرع عنه تفصيل ذنبهم المعبر عنه بالخاطئة فقال
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ
وهذا التفريع للتفصيل نظير التفريع في قوله :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ
[ القمر : 9 ] في أنه تفريع بيان على المبيّن . وضمير ( عصوا ) يجوز أن يرجع إلى
فِرْعَوْنُ
باعتباره رأس قومه ، فالضمير عائد إليه وإلى قومه ، والقرينة ظاهرة على قراءة الجمهور ، وإما على قراءة أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر وعلى هذا الاعتبار في محل ضمير ( عصوا ) يكون المراد ب
رَسُولَ رَبِّهِمْ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 112 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور