تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
رأي من جعلوا
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ
[ الحشر : 9 ] معطوفا على
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ
[ الحشر : 8 ] جعلوا
الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
فريقا من أهل القرى ، وهو غير المهاجرين والأنصار بل هو من جاء إلى الإسلام بعد المهاجرين والأنصار ، فضمير
مِنْ بَعْدِهِمْ
عائد إلى مجموع الفريقين . والمجيء مستعمل للطروّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم ، وهي حالة الإسلام ، فكأنهم أتوا إلى مكان لإقامتهم ، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذكروا في قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ
[ التوبة : 100 ] أي اتبعوهم في الإيمان . وإنما صيغ
جاؤُ
بصيغة الماضي تغليبا لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غفارة ، ومزينة ، وأسلم ، ومثل عبد اللّه بن سلام ، وسلمان الفارسي ، فكأنه قيل : الذين جاءوا ويجيئون ، بدلالة لحن الخطاب . والمقصود من هذا : زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم بفيء بني النضير . وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر ، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال عمر : لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها ( أي الفاتحين ) كما قسم النبي صلى اللّه عليه وسلّم خيبر . وذكر القرطبي : أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح اللّه عليه وقال لهم : تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليّ فلما غدوا عليه قال : قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[ 7 ، 8 ] . قال : ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
إلى قوله :
رَؤُفٌ رَحِيمٌ
ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك اه . وهذا ظاهر في الفيء ، وأما ما فتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سواد العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر ، وهو ليس من غرضنا . ومحله كتب الفقه والحديث . والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[ الحشر : 9 ] كلاما مستأنفا ، وجعل
يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ
[ الحشر : 9 ] خبرا عن اسم الموصول ، جعلوا قوله :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
كذلك مستأنفا .