تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
والإشارة في
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
إلى ما أشير إليه ب
ذلِكَ *
، وجيء له باسم إشارة التأنيث نظرا للإخبار عنه بلفظ
حُدُودُ
إذ هو جمع يجوز تأنيث إشارته كما يجوز تأنيث ضميره ، ومثله قوله تعالى :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
في سورة البقرة [ 229 ] . وجملة
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
تتميم لجملة
ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، أي : ذلك الحكم وهو إبطال التحريم بالظهار حكم الإسلام . وأما ما كانوا عليه فهو من آثار الجاهلية فهو سنة قوم لهم عذاب أليم على الكفر وما تولد منه من الأباطيل ، فالظهار شرع الجاهلية . وهذا كقوله تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[ التوبة : 37 ] ، لأنه وضعه المشركون ولم يكن من الحنيفية . [ 5 ]

[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 5 ]

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 5 )
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
. لما جرى ذكر الكافرين وجرى ذكر حدود اللّه وكان في المدينة منافقون من المشركين نقل الكلام إلى تهديدهم وإيقاظ المسلمين للاحتراز منهم . والمحادّة : المشاقّة والمعاداة ، وقد أوثر هذا الفعل هنا لوقوع الكلام عقب ذكر حدود اللّه ، فإن المحادة مشتقّة من الحد لأن كل واحد من المتعاديين كأنّه في حدّ مخالف لحدّ الآخر ، مثل ما قيل أن العداوة مشتقة من عدوة الوادي لأن كلا من المتعاديين يشبه من هو من الآخر في عدوة أخرى . وقيل : اشتقت المشاقّة من الشقة لأن كلا من المتخالفين كأنه في شقة غير شقة الآخر . والمراد بهم الذين يحادون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المرسل بدين اللّه فمحادته محادة للّه . والكبت : الخزي والإذلال وفعل
كُبِتُوا
مستعمل في الوعيد أي سيكبتون ، فعبّر عنه بالمضيّ تنبيها على تحقيق وقوعه لصدوره عمّن لا خلاف في خبره مثل
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] ولأنه مؤيّد بتنظيره بما وقع لأمثالهم . وقرينة ذلك تأكيد الخبر ب
إِنَّ
لأن الكلام لو كان إخبارا عن كبت وقع لم يكن ثم مقتضى لتأكيد الخبر إذ لا ينازع أحد فيما وقع ، ويزيد ذلك وضوحا قوله :
كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يعني الذين حادّوا اللّه في