بأنهم أظلم الناس تشنيعا لحالهم .
فالمراد من هذا الاستفهام هم الذين كذبوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ولذلك عطف هذا الكلام بالواو ودون الفاء لأنه ليس مفرعا على دعوة عيسى عليه السلام .
وقد شمل هذا التشنيع جميع الذين كذبوا دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتابين والمشركين .
والمقصود الأول هم أهل الكتاب ، وسيأتي عند قوله تعالى :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ
إلى قوله :
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[ الصف : 8 ، 9 ] فهما فريقان .
والاستفهام ب
مَنْ أَظْلَمُ
إنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء فالمكذبون من قبلهم ، إما أن يكونوا أظلم منهم وإمّا أن يساووهم على كل حال ، فالكلام مبالغة .
وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بنسبته إلى ما ليس فيه إذ قالوا :
هو ساحر ، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة ، فيعرضوا دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على النظر الصحيح حتى يعلموا صدقه ، وظلموا ربهم إذ نسبوا ما جاءهم من هديه وحجج رسوله صلى اللّه عليه وسلّم إلى ما ليس منه فسموا الآيات والحجج سحرا ، وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل مثبتة صدق رسول الإسلام صلى اللّه عليه وسلّم وكمل لهم هذا الظلم بقوله تعالى :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
، فيعلم أنه ظلم مستمر .
وقد كان لجملة الحال
وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ
موقع متين هنا ، أي فعلوا ذلك في حين أن الرسول يدعوهم إلى ما فيه خيرهم فعاضوا الشكر بالكفر .
وإنما جعل افتراؤهم الكذب على اللّه لأنهم كذبوا رسولا يخبرهم أنه مرسل من اللّه فكانت حرمة هذه النسبة تقتضي أن يقبلوا على التأمل والتدبر فيما دعاهم إليه ليصلوا إلى التصديق ، فلما بادروها بالإعراض وانتحلوا للداعي صفات النقص كانوا قد نسبوا ذلك إلى اللّه دون توقير .
فأما أهل الكتاب فجحدوا الصفات الموصوفة في كتابهم كما قال تعالى فيهم
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
في سورة البقرة [ 140 ] . وذلك افتراء .
وأما المشركون فإنهم افتروا على اللّه إذ قالوا :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] .