تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
و
عَسَى
فعل مقاربة وهو مستعمل هنا في رجاء المسلمين ذلك من اللّه أو مستعملة في الوعد مجردة عن الرجاء . قال في « الكشاف » : كما يقول الملك في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك . وضمير
مِنْهُمْ
عائد إلى العدوّ من قوله :
لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ
[ الممتحنة : 1 ] . وجملة
وَاللَّهُ قَدِيرٌ
تذييل . والمعنى : أنه شديد القدرة على أن يغير الأحوال فيصير المشركون مؤمنين صادقين وتصيرون أودّاء لهم . وعطف على التذييل جملة
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، أي يغفر لمن أنابوا إليه ويرحمهم فلا عجب أن يصيروا أودّاء لكم كما تصيرون أوداء لهم . [ 8 ]

[ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 8 ]

لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وصف بها العدوّ في قوله تعالى :
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
[ الممتحنة : 1 ] وقوله :
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
[ الممتحنة : 2 ] ، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدوّ اللّه أولياء ، استثنى اللّه أقواما من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان دينهم شديد المنافرة مع دين الإسلام . فإن نظرنا إلى وصف العدوّ من قوله :
لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
وحملناه على حالة معاداة من خالفهم في الدين ونظرنا مع ذلك إلى وصف
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
، كان مضمون قوله :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
إلى آخره ، بيانا لمعنى العداوة المجعولة علة للنهي عن الموالاة وكان المعنى أن مناط النهي هو مجموع الصفات المذكورة لا كل صفة على حيالها . وإن نظرنا إلى أن وصف العدوّ هو عدوّ الدين ، أي مخالفة في نفسه مع ضميمة وصف
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ
، كان مضمون
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ
إلى آخره تخصيصا للنهي بخصوص أعداء الدين الذين لم يقاتلوا المسلمين لأجل الدين ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم . وأيّا ما كان فهذه الجملة قد أخرجت من حكم النهي القوم الذين لم يقاتلوا في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 135 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور