تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه ، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته ويهمل المعاندين إلى عقاب الآخرة ، فهو رحمان بهم في الدنيا ، وقد كثر اتباع اسم الجلالة بصفتي
الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
في القرآن كما في الفاتحة . [ 23 ]

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 23 ]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 )
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
. القول في ضمير
هُوَ
كالقول في نظيره في الجملة الأولى . وهذا تكرير للاستئناف لأن المقام مقام تعظيم وهو من مقامات التكرير ، وفيه اهتمام بصفة الوحدانية . و
الْمَلِكُ
: الحاكم في الناس ، ولا ملك على الإطلاق إلّا اللّه تعالى وأما وصف غيره بالملك فهو بالإضافة إلى طائفة معيّنة من الناس . وعقب وصفا الرحمة بوصف
الْمَلِكُ
للإشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع في سورة الفاتحة . و
الْقُدُّوسُ
بضم القاف في الأفصح ، وقد تفتح القاف قال ابن جنّي : فعول في الصفة قليل ، وإنما هو في الأسماء مثل تنّور وسفّود وعبّود . وذكر سيبويه السّبّوح والقدوس بالفتح ، وقال ثعلب : لم يرد فعول بضم أوله إلا القدوس والسّبوح . وزاد غيره الذّرّوح ، وهو ذباب أحمر متقطع الحمرة بسواد يشبه الزنبور . ويسمى في اصطلاح الأطباء ذباب الهند . وما عداهما مفتوح مثل سفّود وكلّوب . وتنّور وسمّور وشبّوط ( صنف من الحوت ) وكأنه يريد أن سبوح وقدوس صارا اسمين . وعقب ب
الْقُدُّوسُ
وصف
الْمَلِكُ
للاحتراس إشارة إلى أنه منزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور ، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس . و
السَّلامُ
مصدر بمعنى المسالمة وصف اللّه تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة في الوصف ، أي ذو السلام ، أي السلامة ، وهي أنه تعالى سالم الخلق من الظلم والجور . وفي الحديث « إن اللّه هو السلام ومنه السّلام » . وبهذا ظهر تعقيب وصف
الْمَلِكُ
بوصف
السَّلامُ
فإنه بعد أن عقب ب
الْقُدُّوسُ
للدلالة على نزاهة ذاته ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 107 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور