وهذا تحدّ لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم بذلك على نحو قوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] أي فليأت من يتعهد منهم بالاستماع بحجة . وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم في قوله :
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
[ الطور : 31 ] وقوله :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
[ الطور : 34 ] .
[ 39 ]
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 39 ]
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 )
لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعلى إبطالا لمقالاتهم في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم للّه بنات استقصاء لإبطال أوهامهم في المغيبات من العالم العلوي ، فهذه الجملة معترض بين جملة
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ
[ الطور : 38 ] وجملة
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً
[ الطور : 40 ] ، ويقدر الاستفهام إنكارا لأن يكون للّه البنات .
ودليل الإنكار في نفس الأمر استحالة الولد على اللّه تعالى ولكن لمّا كانت عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غير مستعدة لإدراك دليل الاستحالة ، وكان اعتقادهم البنات للّه منكرا ، تصدّي لدليل الإبطال وسلك في إبطاله دليل إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله :
وَلَكُمُ الْبَنُونَ
.
فجملة
وَلَكُمُ الْبَنُونَ
في موضع الحال من ضمير الغائب ، أي كيف يكون للّه البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإناث على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم :
21 ، 22 ] . فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد أنهم لو نسبوا للّه البنين لكان قولهم مقبولا لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل تحت إبطاله .
وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله :
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ
[ الطور : 30 ] إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال .
وتقديم
لَكُمُ
على
الْبَنُونَ
لإفادة الاختصاص ، أي لكم البنون دونه فهم لهم بنون وبنات ، وزعموا أن اللّه ليس له إلا البنات .
وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله :
أَمْ لَهُ الْبَناتُ
فللاهتمام باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل .
[ 40 ]
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 40 ]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 )