يدركونها إذا سمعوها ولا تحيط قرائحهم بإيداعها في كلامهم . وقد بينا أصول الإعجاز في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير .
ولام الأمر في
فَلْيَأْتُوا
مستعملة في أمر التعجيز كقوله حكاية عن قول إبراهيم
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
[ البقرة : 258 ] .
وقوله :
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
أي في زعمهم أنه تقوّله ، أي فإن لم يأتوا بكلام مثله فهم كاذبون . وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
الواقع موقعا شبيها بالتذييل والمختوم بكلمة الفاصلة ، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما تقدم في نظم قوله :
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
[ الطور :
31 ] .
[ 35 ، 36 ]
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 35 إلى 36 ]
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 )
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
.
إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث ، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاء على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل ، فإذ وفّي حقّ ما اقتضته تلك المناسبات ثني عنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم :
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
[ الإسراء : 49 ] .
فكان قوله تعالى :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
الآيات أدلة على أن ما خلقه اللّه من بدء الخلق أعظم من إعادة خلق الإنسان . وهذا متصل بقوله آنفا
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
[ الطور : 7 ] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
هي قولهم :
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
[ الإسراء : 49 ] ، ونحو ذلك .
فحرف ( من ) في قوله :
مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
يجوز أن يكون للابتداء ، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد ( أم ) تقريريا . والمعنى : أيقرّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عدما فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى ينشئون من عدم في النشأة الآخرة ، وذلك إثبات لإمكان