و
الَّذِينَ آمَنُوا
يعم كل من ثبت له مضمون هذه الصلة وما عطف عليها .
وفي جمع
وَرُسُلِهِ
تعريض بأهل الكتاب الذين قالوا : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، فاليهود آمنوا باللّه وبموسى ، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام ، والنصارى آمنوا باللّه وكفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون آمنوا برسل اللّه كلهم ، ولذلك وصفوا بأنهم الصدّيقون .
والصدّيق بتشديد الدال مبالغة في المصدّق مثل المسّيك للشحيح ، أي كثير الإمساك لماله ، والأكثر أن يشتق هذا الوزن من الثلاثي مثل : الضلّيل ، وقد يشتق من المزيد ، وذلك أن الصيغ القليلة الاستعمال يتوسعون فيها كما توسع في السّميع بمعنى المسمع في بيت عمرو بن معد يكرب ، والحكيم بمعنى المحكم في أسماء اللّه تعالى ، وإنما وصفوا بأنهم صدّيقون لأنهم صدّقوا جميع الرسل الحقّ ولم تمنعهم عن ذلك عصبية ولا عناد ، وقد تقدم في سورة يوسف وصفه بالصدّيق ووصفت مريم بالصدّيقة في سورة العقود .
وضمير الفصل للقصر وهو قصر إضافي ، أي هم الصدّيقون لا الذين كذّبوا بعض الرسل وهذا إبطال لأن يكون أهل الكتاب صدّيقين لأن تصديقهم رسولهم لا جدوى له إذ لم يصدّقوا برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم .
واسم الإشارة للتنويه بشأنهم وللتنبيه على أن المشار إليهم استحقوا ما يرد بعد اسم الإشارة من أجل الصفات التي قبل اسم الإشارة .
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
.
يجوز أن يكون عطفا على
الصِّدِّيقُونَ
عطف المفرد على المفرد فهو عطف على الخبر ، أي وهم الشهداء . وحكي هذا التأويل عن ابن مسعود ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة . فقيل : معنى كونهم شهداء : أنهم شهداء على الأمم يوم الجزاء ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] ، فالشهادة تكون بمعنى الخبر بما يثبت حقا يجازى عليه بخير أو شر .
وقيل معناه : أن مؤمني هذه الأمة كشهداء الأمم ، أي كقتلاهم في سبيل اللّه وروي عن البراء بن عازب يرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم .
فتكون جملة
عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
استئنافا بيانيا نشأ عن وصفهم بتينك الصفتين فإن السامع يترقب ما هو نوالهم من هذين الفضلين .