تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها اللّه عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة . ولم يرو أن هذه الآية ألحقت بالسورة بعد نزول السورة . ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله فنزلت
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[ الواقعة : 75 ] بأن يكون ابن عباس قال : فتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
، أو نحو تلك العبارة . وقد تكرر مثل هذا الإيهام في أخبار أسباب النزول » ويتأكد هذا صيغة
تُكَذِّبُونَ
لأن قولهم : مطرنا بنوء كذا ، ليس فيه تكذيب بشيء ، ولذلك احتاج ابن عطية إلى تأويله بقوله : « فإن اللّه تعالى قال :
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ
[ ق : 9 - 11 ] فهذا معنى
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
أي تكذبون بهذا الخبر . والذي نحاه الفخر منحى آخر فجعل معنى
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
تكملة للإدهان الذي في قوله تعالى :
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
[ الواقعة : 81 ] فقال : « أي تخافون أنكم إن صدّقتم بالقرآن ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون الرسول أي فيكون عطفا على
مُدْهِنُونَ
[ الواقعة : 81 ] عطف فعل على اسم شبيه به ، وهو من قبيل عطف المفردات ، أي أنتم مدهنون وجاعلون رزقكم أنكم تكذّبون ، فهذا التكذيب من الإدهان ، أي أنهم يعلمون صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولكنهم يظهرون تكذيبه إبقاء على منافعهم فيكون كقوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] . وعلى هذا يقدر قوله :
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
مجرورا بباء الجر محذوفة ، والتقدير : وتجعلون رزقكم بأنكم تكذبون ، أي تجعلون عوضه بأن تكذّبوا بالبعث » . [ 83 - 87 ]

[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 83 إلى 87 ]

فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 87 ) مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشئ عما قبله على حسب ترتيبه وإذ قد كان الكلام السابق إقامة أدلة على أن اللّه قادر على إعادة الحياة للناس بعد الموت ، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من إثبات البعث ، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن ،