تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
أُقْسِمُ
واقعا جوابا لكلام مقدر يدل عليه بعده من قوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
ردّا على أقوالهم في القرآن أنه شعر ، أو سحر ، أو أساطير الأولين ، أو قول كاهن ، وجعلوا قوله :
أُقْسِمُ
استئنافا . وعليه بمعنى الكلام مع فاء التفريع أنه تفرع على ما سطح من أدلة إمكان البعث ما يبطل قولكم في القرآن فهو ليس كما تزعمون بل هو قرآن كريم إلخ . و
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
جمع موقع يجوز أن يكون مكان الوقوع ، أي محالّ وقوعها من ثوابت وسيارة . والوقوع يطلق على السقوط ، أي الهوى ، فمواقع النجوم مواضع غروبها فيكون في معنى قوله تعالى :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
[ النجم : 1 ] والقسم بذلك مما شمله قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[ المعارج : 40 ] . وجعل
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
بهذا المعنى مقسما به لأن تلك المساقط في حال سقوط النجوم عندها تذكّر بالنظام البديع المجعول لسير الكواكب كلّ ليلة لا يختل ولا يتخلف ، وتذكّر بعظمة الكواكب وبتداولها خلفة بعد أخرى ، وذلك أمر عظيم يحق القسم به الراجع إلى القسم بمبدعه . ويطلق الوقوع على الحلول في المكان ، يقال : وقعت الإبل ، إذا بركت ، ووقعت الغنم في مرابضها ، ومنه جاء اسم الواقعة للحادثة كما تقدم ، فالمواقع : محالّ وقوعها وخطوط سيرها فيكون قريبا من قوله :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ
[ البروج : 1 ] . والمواقع هي : أفلاك النجوم المضبوطة السير في أفق السماء ، وكذلك بروجها ومنازلها . وذكر ( مواقع النجوم ) على كلا المعنيين تنويه بها وتعظيم لأمرها لدلالة أحوالها على دقائق حكمة اللّه تعالى في نظام سيرها وبدائع قدرته على تسخيرها . ويجوز أن يكون ( مواقع ) جمع موقع المصدر الميمي للوقوع . ومن المفسرين من تأول النجوم أنها جمع نجم وهو القسط الشيء من مال وغيره كما يقال : نجوم الديات والغرامات وجعلوا النجوم ، أي الطوائف من الآيات التي تنزل من القرآن وهو عن ابن عباس وعكرمة فيؤول إلى القسم بالقرآن على حقيقته على نحو ما تقدم في قوله تعالى :
وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ الزخرف : 2 ، 3 ] . وجملة
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
معترضة بين القسم وجوابه . وضمير
إِنَّهُ
عائد إلى القسم المذكور في
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
، أو عائدا إلى مواقع النجوم بتأويله بالمذكور فيكون قسم بمعنى مقسم به كما علمت آنفا .