بتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع والشجر . ووصف
الْماءَ
ب
الَّذِي تَشْرَبُونَ
إدماج للمنة في الاستدلال ، أي الماء العذب الذي تشربونه ، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ليقابل بقوله بعده :
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
[ الواقعة : 70 ] .
والمراد ماء المطر ولذلك قال :
أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
، والمراد : أنزلتموه على بلادكم وحروثكم . وماء المطر هو معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ ولذلك يقال للعرب : بنو ماء السماء .
والمزن : اسم جمع مزنة وهي السحابة .
ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوما بأن كوّنه اللّه في السحاب بحكمة تكوين الماء . فكما استدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق الإنسان والنبات استدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريبا لإعادة الأجسام بحكمة دقيقة خفية ، أي يجوز أن يمطر اللّه مطرا على ذوات الأجساد الإنسانية يكون سببا في تخلقها أجسادا كاملة كما كانت أصولها ، كما تتكوّن الشجرة من نواة أصلها ، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله :
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
.
وقوله :
أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
جعل استدلالا منوطا بإنزال الماء من المزن ، على طريقة الكناية بإنزاله ، عن تكوينه صالحا للشراب ، لأن إنزاله هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله :
الَّذِي تَشْرَبُونَ
. وأعقب بقوله
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
[ الواقعة : 70 ] فحصل بين الجملتين احتباك كأنه قيل : أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء جعلناه أجاجا ولأمسكناه في سحاباته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم تنتفعوا به .
[ 70 ]
[ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 70 ]
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 )
موقعها كموقع جملة
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً
[ الواقعة : 65 ] والمعنى : لو نشاء جعلناه غير نافع لكم . فهذا استدلال بأنه قادر على نقض ما في الماء من الصلاحية للنفع بعد وجود صورة المائية فيه . فوزان هذا وزان قوله :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
[ الواقعة : 60 ] وقوله :
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً
[ الواقعة : 65 ] .
وتخلص من هذا التتميم إلى الامتنان بقوله :
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
تحضيضا لهم على