تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
تعقيب النذارة بالبشارة والعكس . وافتتاح هذا الخبر بحرف
إِنَّ
للاهتمام به . و
فِي
من قوله :
فِي جَنَّاتٍ
للظرفية المجازية التي هي بمعنى التلبس القوي كتلبس المظروف بالظرف ، والمراد في نعيم جنات ونهر فإن للجنات والأنهار لذات متعارفة من اللهو والأنس والمحادثة ، واجتناء الفواكه ، ورؤية جريان الجداول وخرير الماء ، وأصوات الطيور ، وألوان السوابح . وبهذا الاعتبار عطف
نَهَرٍ
على
جَنَّاتٍ
إذ ليس المراد الإخبار بأنهم ساكنون جنات فإن ذلك يغني عنه قوله بعد :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
، ولا أنهم منغمسون في أنهار إذ لم يكن ذلك مما يقصده السامعون . ونهر : بفتحتين لغة في نهر بفتح فسكون . والمراد به اسم الجنس الصادق بالمتعدد لقوله تعالى :
مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
[ الأعراف : 43 ] ، وقوله :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ
إما في محل الحال من المتقين وإما في محل الخبر الثاني ل
إِنَّ
. والمقعد : مكان القعود . والقعود هنا بمعنى الإقامة المطمئنة كما في قوله تعالى :
اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
[ التوبة : 46 ] . والصدق : أصله مطابقة الخبر للواقع ثم شاعت له استعمالات نشأت عن مجاز أو استعارة ترجع إلى معنى مصادفة أحد الشّيء على ما يناسب كمال أحوال جنسه ، فيقال : هو رجل صدق ، أي تمام رجلة ، وقال تأبط شرا :
إني لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عمّ الصدق شمس بن مالك
أي ابن العم حقا ، أي موف بحق القرابة . وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
[ يونس : 93 ] وقال في دعاء إبراهيم عليه السلام
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
[ الشعراء : 84 ] ويسمى الحبيب الثابت المحبة صديقا وصدّيقا . فمقعد صدق ، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه فلا يكون فيه استفزاز ولا زوال ، وإضافة
مَقْعَدِ
إلى
صِدْقٍ
من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في تمكن الصفة منه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور