ومرادهم منه واضح .
ووقعت جملة
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
موقع البيان لسبب النهي أو لأهمّ أسبابه ، أي فوضوا ذلك إلى اللّه إذ هو أعلم بمن اتقى ، أي بحال من اتقى من كمال تقوى أو نقصها أو تزييفها . وهذا معنى ما
ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن أحد بخير : « لا أزكي على اللّه أحدا »
أي لا أزكى أحدا معتليا حق اللّه ، أي متجاوزا قدري .
[ 33 - 35 ]
[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 33 إلى 35 ]
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 )
الفاء لتفريع الاستفهام التعجيبي على قوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ النجم : 31 ] إذ كان حال هذا الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى جهلا بأن للإنسان ما سعى ، وقد حصل في وقت نزول الآية المتقدمة أو قبلها حادث أنبأ عن سوء الفهم لمراد اللّه من عباده مع أنه واضح لمن صرف حق فهمه . ففرع على ذلك كله تعجيب من انحراف أفهامهم .
فالذي تولى وأعطى قليلا هو هنا ليس فريقا مثل الذي عناه قوله :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
[ النجم : 29 ] بل هو شخص بعينه . واتفق المفسرون والرواة على أن المراد به هنا معين ، ولعل ذلك وجه التعبير عنه بلفظ
الَّذِي
دون كلمة ( من ) لأن
الَّذِي
أظهر في الإطلاق على الواحد المعين دون لفظ ( من ) .
واختلفوا في تعيين هذا
الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطى قَلِيلًا
،
فروى الطبري والقرطبي عن مجاهد وابن زيد أن المراد به الوليد بن المغيرة قالوا : كان يجلس إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ويستمع إلى قراءته وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعظه فقارب أن يسلم فعاتبه رجل من المشركين ( لم يسموه ) وقال : لم تركت دين الأشياخ وضلّلتهم وزعمت أنهم في النار كان ينبغي أن تنصرهم فكيف يفعل بآبائك فقال : « إني خشيت عذاب اللّه » فقال : « أعطني شيئا وأنا أحمل عنك كل عذاب كان عليك »
فأعطاه ( ولعل ذلك كان عندهم التزاما يلزم ملتزمه وهم لا يؤمنون بجزاء الآخرة فلعله تفادى من غضب اللّه في الدنيا ورجع إلى الشرك ) ولما سأله الزيادة بخل عنه وتعاسر وأكدى .
وروى القرطبي عن السدّي : أنها نزلت في العاصي بن وائل السّهمي ، وعن محمد بن كعب : نزلت في أبي جهل ، وعن الضحاك : نزلت في النضر بن الحارث .