تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
سخرية القبائل بعضها من بعض فوجّه النهي إلى الأقوام . ولهذا أيضا لم يقل : لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة . ويفهم منه النهي عن أن يسخر أحد من أحد بطريق لحن الخطاب . وهذا النهي صريح في التحريم . وخص النساء بالذكر مع أن القوم يشملهم بطريق التغليب العرفي في الكلام ، كما يشمل لفظ المؤمنين والمؤمنات في اصطلاح القرآن بقرينة مقام التشريع ، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به دفعا لتوهم تخصيص النهي بسخرية الرجال إذ كان الاستسخار متأصلا في النساء ، فلأجل دفع التوهم الناشئ من هذين السيئين على نحو ما تقدم في قوله من آية القصاص
وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
في سورة العقود [ 178 ] . وجملة
عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ
مستأنفة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين تفيد المبالغة في النهي عن السخرية بذكر حالة يكثر وجودها في المسخورية ، فتكون سخرية الساخر أفظع من الساخر ، ولأنه يثير انفعال الحياء في نفس الساخرة بينه وبين نفسه . وليست جملة
عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ
صفة لقوم من قومه :
مِنْ قَوْمٍ
وإلا لصار النهي عن السخرية خاصا بما إذا كان المسخور به مظنة أنه خير من الساخر ، وكذلك القول في جملة
عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ
وليست صفة ل
نِساءٌ
من قوله :
مِنْ نِساءٍ
. وتشابه الضميرين في قوله :
أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ
وفي قوله :
أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ
لا لبس فيه لظهور مرجع كل ضمير ، فهو كالضمائر في قوله تعالى :
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
في سورة الروم [ 9 ] ، وقول عباس بن مرداس :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
. اللمز : ذكر ما يعده الذاكر عيبا لأحد مواجهة فهو المباشرة بالمكروه . فإن كان بحق فهو وقاحة واعتداء ، وإن كان باطلا فهو وقاحة وكذب ، وكان شائعا بين العرب في جاهليتهم قال تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
[ الهمزة : 1 ] يعني نفرا من المشركين كان دأبهم لمز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ويكون بحالة بين الإشارة والكلام بتحريك الشفتين بكلام خفيّ يعرف منه المواجه به أنه يذمّ أو يتوعد ، أو يتنقص باحتمالات كثيرة ، وهو غير النبز وغير الغيبة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور