تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
« قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة سورة الفتح » ، وفي رواية « دخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح على راحلته » . على أن قرائن كثيرة ترجح أن يكون المراد بالفتح المذكور في سورة الفتح : أولاها أنّه جعله مبينا . الثّانية : أنه جعل علّته ( النصر العزيز ) الثانية ، ولا يكون الشيء علّة لنفسه . الثالثة : قوله
وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
[ الفتح : 18 ] . الرّابعة : قوله :
وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها
[ الفتح : 19 ] . الخامسة : قوله :
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
[ الفتح : 27 ] . والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية ، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازا مرسلا باعتبار أنه آل إلى فتح خيبر وفتح مكة ، أو كان سببا فيهما فعن الزهري « لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشي الناس بعضهم في بعض ، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم ، وعلموا وسمعوا عن اللّه فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه ، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكّة في عشرة آلاف » ا ه ، وفي رواية « فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة فلم يكلّم أحد يعقل بالإسلام إلا دخل فيه » . وعلى هذا فالمجاز في إطلاق مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل ، أي التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه بهذا الاعتبار المجازي قد وقع فيما مضي فيكون اسم الفتح استعمل استعمال المشترك في معنييه ، وصيغة الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه الإعجاز في إيثار هذا التركيب . وقيل : هو فتح خيبر الواقع عند الرجوع من الحديبية كما يجئ في قوله :
إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها
[ الفتح : 15 ] . وعلى هذه المحامل فتأكيد الكلام ب ( إن ) لما في حصول ذلك من تردد بعض المسلمين أو تساؤلهم ، فعن عمر أنه لما نزلت
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
قال : « أو فتح هو يا رسول اللّه ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح » . وروى البيهقي عن عروة بن الزبير قال : أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : واللّه ما هذا بفتح صددنا عن البيت وصدّ هدينا . فبلغ ذلك رسول اللّه فقال : بئس الكلام