تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
واللام في قوله :
لِلْحَقِّ
لام العلة وليست لام تعدية فعل القول إلى المقول له أي قال بعض الكافرين لبعض في شأن الذين آمنوا ومن أجل إيمانهم . والحق : هو الآيات ، فعدل عن ضمير الآيات إلى إظهار لفظ الحق للتنبيه على أنها حق وأن رميها بالسحر بهتان عظيم . و
لَمَّا جاءَهُمْ
توقيت لمقالتهم ، أي يقولون ذلك بفور سماع الآيات وكلما جاءتهم ، أي دون تدبر ولا إجالة فكر . [ 8 ]

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 8 ]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 8 ) إضراب انتقال إلى نوع آخر من ضلال أقوالهم . وسلك في الانتقال مسلك الإضراب دون أن يكون بالعطف بالواو لأن الاضراب يفيد أن الغرض الذي سينتقل إليه له مزيد اتصال بما قبله ، وأن المعنى : دع قولهم :
هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
[ الأحقاف : 7 ] ، واستمع لما هو أعجب وهو قولهم :
افْتَراهُ
، أي افترى نسبته إلى اللّه ولم يرد به السحر . والاستفهام الذي يقدر بعد
أَمْ
للإنكار على مقالتهم . والنفي الذي يقتضيه الاستفهام الانكاري يتسلط على سبب الإنكار ، أي كون القرآن مفترى وليس متسلطا على نسبة القول إليهم لأنه صادر منهم وإنما المنفي الافتراء المزعوم . والضمير المنصوب في
افْتَراهُ
عائد إلى الحق في قوله :
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ
[ الأحقاف : 7 ] ، أو إلى القرآن لعلمه من المقام ، أي افترى القرآن فزعم أنه وحي من عند اللّه . وقد أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بجواب مقالتهم بما يقلعها من جذرها ، فكان قوله تعالى :
قُلْ
جملة جارية مجرى جواب المقاولة لوقوعها في مقابلة حكاية قولهم . وقد تقدم ذلك في قوله :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
في أوائل سورة البقرة [ 30 ] . وجعل الافتراء مفروضا بحرف
إِنِ
الذي شأنه أن يكون شرطه نادر الوقوع إشارة إلى أنه مفروض في مقام مشتمل على دلائل تقلع الشرط من أصله . وانتصب
شَيْئاً
على المفعولية لفعل
تَمْلِكُونَ
، أي شيئا يملك ، أي يستطاع ، والمراد : شيء من الدّفع فلا تقدرون على أن تردوا عني شيئا يرد علي من اللّه . وتقدم معنى ( لا أملك شيئا ) عند قوله تعالى :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ