تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ولما وصف عذابهم بأنه أليم عطف عليه إخبارهم بأن ذلك المقدار لا حيف عليهم فيه لأنه على وفاق أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من آثار الشرك ، والحظّ الأكبر من ذلك الجزاء هو حظ الشرك ولكن كني عن الشرك بأعماله وأما هو فهو أمر اعتقادي . وفي هذا دليل على أن الكفار مجازون على أعمالهم السيئة من الأقوال والأعمال كتمجيد آلهتهم والدعاء لها ، وتكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأذاه وأذى المؤمنين ، وقولهم في أصنامهم إنهم شفعاء عند اللّه ، وفي الملائكة إنهم بنات اللّه ، ومن قتل الأنفس والغارة على الأموال ووأد البنات والزنا فإن ذلك كله مما يزيدهم عذابا ، وهو يؤيد قول الذين ذهبوا إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأن ذلك واقع . [ 40 - 49 ]

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 40 إلى 49 ]

إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 ) استثناء منقطع في معنى الاستدراك ، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده ، وهذا الاستدراك تعقيب على قوله :
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
[ الصافات : 33 ] فإن حال عباد اللّه المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا ، وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفع توهّم وإنما ذلك غالب ، فقول بعض العلماء في تعريفه هو : تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه ، تعريف أغلبي ، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعمّ من ذلك ، فقد يكون إخراجا من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في المنقطع قائم مقام لكن ، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل يردفونه بجملة تبين محلّ الاستدراك كقوله تعالى :
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
[ الأعراف : 11 ] وقوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى
[ البقرة : 34 ] ، وكذلك قوله هنا :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
. ولو كان المعنى على الاستثناء لما أتبع المستثنى بأخبار عنه لأنه حينئذ يثبت له نقيض حكم المستثنى منه بمجرد الاستثناء ، فإن ذلك مفاد
إِلَّا
، ونظيره مع
لكِنِ
قوله تعالى :
أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ
الآية في سورة الزّمر [ 19 ، 20 ] . وذكر المؤمنين بوصف العبودية المضافة للّه تعالى تنويه بهم وتقريب ، وذلك اصطلاح