تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
أهل مكة كما نبهت عليه فيما مضى غير مرة . و
يَنْظُرُ
مشتق من النظر بمعنى الانتظار قال تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
[ الأنعام : 158 ] ، أي ما ينتظر المشركون إلا صيحة واحدة ، وهذا كقوله تعالى :
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ
[ يونس : 102 ] . والمتبادر من الآية أنها تهديد لهم بصيحة صاعقة ونحوها كصيحة ثمود أو صيحة النفخ في الصور التي يقع عندها البعث للجزاء ، ولكن ما سبق ذكره آنفا من أن قوله تعالى :
جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ
[ ص : 11 ] إيماء إلى بشارة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأن معانديه سيهزمون ويعمل فيهم السيف يوم بدر ، يقتضي أن الصيحة صيحة القتال وهي أن يصيح النذير : يا صباحاه كما صاح الصارخ بمكة حين تعرّض المسلمون لعير قريش ببدر . ووصفها ب
واحِدَةً
إشارة إلى أن الصاعقة عظيمة مهلكة ، أو أن النفخة واحدة وهي نفخة الصعق ، وفي خفيّ المعنى إيماء إلى أن القوم يبتدرون إلى السلاح ويخرجون مسرعين لإنقاذ غيرهم فكانت الوقعة العظيمة وقعة يوم بدر أو صيحة المبارزين للقتال يومئذ . وأسند الانتظار إليهم في حين أنهم غافلون عن ذلك ومكذبون بظاهره إسناد مجازي على طريقة المجاز العقلي فإنهم ينتظر بهم ذلك المسلمون الموعودون بالنصر ، أو ينتظر بهم الملائكة الموكّلون بحشرهم عند النفخة ، فلما كانوا متعلّق الانتظار أسند فعل
يَنْظُرُ
إليهم لملابسة المفعولية على نحو
فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ *
[ الحاقة : 21 ] . والفواق ، بفتح الفاء وضمها : اسم لما بين حلبتي حالب الناقة ورضعتي فصيلها ، فإن الحالب يحلب الناقة ثم يتركها ساعة ليرضعها فصيلها ليدر اللبن في الضرع ثم يعودون فيحلبونها ، فالمدة التي بين الحلبتين تسمى فواقا . وهي ساعة قليلة وهم قبل ابتداء الحلب يتركون الفصيل يرضعها لتدرّ باللبن . وجمهور أهل اللغة على أن الفتح والضم فيه سواء ، وذهب أبو عبيدة والفراء إلى أن بين المفتوح والمضموم فرقا فقالا : المفتوح بمعنى الراحة مثل الجواب من الإجابة ، والمضموم اسم للمدة . واللبن المجتمع في تلك الحصة يسمى : الفيقة بكسر الفاء ، وجمعها أفاويق . ومعنى
ما لَها مِنْ فَواقٍ
ليس بعدها إمهال بقدر الفواق ، وهذا كقوله تعالى :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً
[ يس : 49 ، 50 ] .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور