تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ثم حكي تكذيبهم الذي يعم جميع ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من وحي يتلى أو دعوة إلى التوحيد وغيره أو استدلال عليه أو معجزة بقولهم :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
، فهذا المقال الثالث يشمل ما تقدم وغيره ، فحكاية مقالهم هذا تقوم مقام التذييل . وأظهر للقائلين دون إضمار ما تقدم ما يصح أن يكون معادا للضمير فقيل :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
ولم يقل : وقالوا للحق لما جاءهم ، للدلالة على أن الكفر هو باعث قولهم هذا . وأظهر المشار إليه قبل اسم الإشارة في قوله :
لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
لأنه لا دليل عليه في الكلام السابق ، أي إذ ظهر لهم ما هو حق من إثبات للتوحيد أو إخبار عن الغيب أو البعث قالوا : ما هذا إلّا سحر مبين . فالمراد من الحق : ما هو أعم من آيات القرآن لأن السحر له أسلوبان : أحدهما شعوذة الأقوال التي لا تفهم مدلولاتها يختلقها السحرة ليوهموا الناس أن فيها مناجاة مع الجن ليمكنوهم من عمل ما يريدون فيسترهبوهم بذلك ، وثانيهما أفعال لها أسباب خفية مستورة بحيل وخفة أيد تحركها فيوهمون بها الناس أنها من تمكين الجن إياهم التصرف في الخفيات ، فإذا سمعوا القرآن ألحقوه بالأسلوب الأول ، وإذا رأوا المعجزات ألحقوها بالأسلوب الثاني كما قالت المرأة التي شاهدت معجزة تكثير الماء في بعض غزوات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت لقومها « أتيت أسحر الناس ، أو هو نبيء كما زعموه » . ومعنى
مُبِينٌ
أنه يظهر منه أنه سحر فتبيينه كنهه من نفسه ، يعنون أن من سمعه يعلم أنه سحر . وجملة
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
معطوفة على جملة
وَإِذا تُتْلى
. [ 44 ]

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 44 ]

وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ( 44 ) الواو للحال ، والجملة في موضع الحال من الضمير في قوله :
قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ
[ سبأ : 43 ] الآية ، تحميقا لجهالتهم وتعجيبا من حالهم في أمرين : « أحدهما » : أنهم لم يدركوا ما ينالهم من المزية بمجيء الحق إليهم إذ هيأهم اللّه به لأن يكونوا في عداد الأمم ذوي الكتاب ، وفي بدء حال يبلغ بهم مبلغ العلم ، إذ هم لم يسبق لهم أن أتاهم كتاب من عند اللّه أو رسول منه ، فيكون معنى الآية : فكيف رفضوا اتّباع الرسول وتلقي القرآن وكان الأجدر بهم الاغتباط بذلك . وهذا المعنى هو المناسب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 89 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور