تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
عطف على
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم . والمعنى : إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يضلّ الناس إضلالا تواتر أمره وتعذر إنكاره . والجبلّ : بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام . وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء . والجبلّ : الجمع العظيم ، وهو مشتق من الجبل بسكون الباء بمعنى الخلق . وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله :
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون ، أي يدركون ، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك . وزيادة فعل الكون للإيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به . [ 63 ، 64 ]

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 63 إلى 64 ]

هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) إقبال على خطاب الذين عبدوا معبودات يسوّلها لهم الشيطان ، إذ تبدو لهم جهنم بحيث يشار إليها ويعرفون أنها هي جهنّم التي كانوا في الدنيا ينذرون بها وتذكر لهم في الوعيد مدة الحياة . والأمر بقوله :
اصْلَوْهَا
مستعمل في الإهانة والتنكير . و
اصْلَوْهَا
أمر من صلي يصلى ، إذا استدفأ بحرّ النار ، وإطلاق الصلي على الإحراق تهكّم . والتعريف في
الْيَوْمَ
تعريف العهد ، أي هذا اليوم الحاضر وأريد به جواب ما كانوا يقولون في الحياة الدنيا من استبطاء الوعد والتكذيب إذ يقولون
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ يونس : 48 ] . والباء في
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
سببية ، أي بسبب كفركم في الدنيا . [ 65 ]

[ سورة يس ( 36 ) : آية 65 ]

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 )