[ 10 ]
[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 10 ]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 )
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
.
مضى ذكر غرورين إجمالا في قوله تعالى :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
[ فاطر : 5 ] ،
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ فاطر : 5 ] فأخذ في تفصيل الغرور الثاني من قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
[ فاطر : 6 ] وما استتبعه من التنبيه على أحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذر من مصارع متابعته وإبداء الفرق بين الواقعين في حبائله والمعافين من أدوائه ، بدارا بتفصيل الأهم والأصل ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى هنا .
وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئا عن قبول تعاليم كبرائهم وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم ، هو ما يجدونه من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباع يعتزّون بقوة قادتهم ، لا جرم كانت إرادة العزّة ملاك تكاتف المشركين بعضهم مع بعض ، وتألبهم على مناوأة الإسلام ، فوجّه الخطاب إليهم لكشف اغترارهم بطلبهم العزة في الدنيا ، فكل مستمسك بحبل الشرك معرض عن التأمل في دعوة الإسلام ، لا يمسّكه بذلك إلّا إرادة العزة ، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من كان ذلك صارفه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع الإسلام وأن ما هم فيه من العزة كالعدم .
و
مَنْ
شرطية ، وجعل جوابها
فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
، وليس ثبوت العزة للّه بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة الجواب أقيمت مقامه واستغني بها عن ذكره إيجازا ، وليحصل من استخراجه من مطاوي الكلام تقرّره في ذهن السامع ، والتقدير : من كان يريد العذاب فليستجب إلى دعوة الإسلام ففيها العزة لأن العزة كلها للّه تعالى ، فأما العزة التي يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية .
وهذا أسلوب متبع في المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطأ في زعمه كما في قول الربيع بن زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي :
من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه * بالليل قبل تبلّج الإسفار
أراد أن من سرّه مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه إن أتى