تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
ومقابل
أَكْثَرَ النَّاسِ
هم المؤمنون ، وشرذمة من علماء أهل الكتاب علموا أحقية الإسلام وبقوا على أديانهم عنادا : فهم يعلمون ويكابرون ، أو تحيّرا : فهم في شك بين علم وجهل . [ 31 - 32 ]

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 31 إلى 32 ]

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 )
مُنِيبِينَ
حال من ضمير
فَأَقِمْ
[ الروم : 30 ] للإشارة إلى أن الخطاب الموجه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم . والمنيب : الملازم للطاعة . ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة ، أي ذا رجوع متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة ، والنوبة : حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس وأصلها : فعلة بصيغة المرة لأنها مرة من النّوب وهو قيام أحد مقام غيره ، ومنه النيابة ، ويقال : تناوبوا عمل كذا . وفي حديث عمر : « كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينزل يوما وأنزل يوما » الحديث ، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة تعهدا متكررا ، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
في سورة هود [ 75 ] . وفسّرت الإنابة أيضا بالتوبة . وقد قيل : إن ناب مرادف تاب ، وهو المناسب لقوله في الآية الموالية
دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
[ الروم : 33 ] . والأمر الذي في قوله
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
مستعمل في طلب الدوام . و
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً
هم المشركون لأنهم اتخذوا عدة آلهة . وإنما كررت
مِنَ
التبعيضية لاعتبار الذين فرقوا دينهم بدلا من المشركين بدلا مطابقا أو بيانا ، فإظهار حرف الجر ثانية مع الاستغناء عنه بالبدلية تأكيد بإظهار العامل كما تقدم في قوله تعالى :
تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
[ المائدة : 114 ] وشأن البدل والبيان أن يجوز معهما إظهار العامل المقدر فيخرجان عن إعراب التوابع إلى الإعراب المستقل ويكونان في المعنى بدلا أو بيانا ولهذا قال النحاة : إن البدل على نية تكرار العامل . وقال المحققون : إن البدل معرب بالعامل المقدر ، ومثله البيان وهما سيان . وتقدم الكلام على معنى
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً
في آخر سورة الأنعام [ 159 ] . وقرأ الجمهور
فَرَّقُوا
بتشديد الرّاء . وقرأه حمزة والكسائي فارقوا دينهم بألف
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 52 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور