تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
لفظ الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن مرادا به الكافر كما في قوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ مريم : 66 ] الآية قوله :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
[ الانفطار : 6 ] الآيات . وفي ذكر فعل
كانَ
إشارة إلى أن ظلمه وجهله وصفان متأصلان فيه لأنهما الغالبان على أفراده الملازمان لها كثرة أو قلة . فصيغتا المبالغة منظور فيهما إلى الكثرة والشدة في أكثر أفراد النوع الإنساني والحكم الذي يسلط على الأنواع والأجناس والقبائل يراعى فيه الغالب وخاصة في مقام التحذير والترهيب . وهذا الإجمال يبينه قوله عقبه :
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ
إلى قوله
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ الأحزاب : 73 ] فقد جاء تفصيله بذكر فريقين : أحدهما : مضيع للأمانة والآخر مراع لها . ولذلك أثنى اللّه على الذين وفّوا بالعهود والأمانات فقال في هذه السورة
وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا
[ الأحزاب : 15 ] وقال فيها :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[ الأحزاب : 23 ] وقال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
[ مريم : 54 ] وقال في ضد ذلك :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ البقرة : 26 ، 27 ] . [ 73 ]

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 73 ]

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) متعلق بقوله :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] لأن المنافقين والمشركين والمؤمنين من أصناف الإنسان . وهذه اللام للتعليل المجازي المسماة لام العاقبة . وقد تقدم القول فيها غير مرة إحداها قوله تعالى :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
في آل عمران [ 178 ] . والشاهد الشائع فيها هو قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] وعادة النحاة وعلماء البيان يقولون : إنها في معنى فاء التفريع : وإذ قد كان هذا عاقبة لحمل الإنسان الأمانة وكان فيما تعلق به لام التعليل إجمال تعين أن هذا يفيد بيانا لما أجمل في قوله :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] كما قدمناه آنفا ، أي فكان الإنسان فريقين : فريقا ظالما جاهلا ، وفريقا راشدا عالما .