تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
إفادة غرضين بجملة واحدة . [ 72 ]

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 72 ]

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) استئناف ابتدائي أفاد الإنباء على سنة عظيمة من سنن اللّه تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملات بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقها فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعرا لهم بمصيرهم ومبينا سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض . وموقع هذه الآية عقب ما قبلها ، وفي آخر هذه السورة يقتضي أن لمضمونها ارتباطا بمضمون ما قبلها ، ويصلح عونا لاكتشاف دقيق معناها وإزالة ستور الرمز عن المراد منها ، ولو بتقليل الاحتمال ، والمصير إلى المآل . والافتتاح بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو تنزيله لغرابة شأنه منزلة ما قد ينكره السامع . وافتتاح الآية بمادة العرض ، وصوغها في صيغة الماضي ، وجعل متعلقها السماوات والأرض والجبال والإنسان يومئ إلى أن متعلق هذا العرض كان في صعيد واحد فيقتضي أنه عرض أزلي في مبدأ التكوين عند تعلق القدرة الربانية بإيجاد الموجودات الأرضية وإيداعها فصولها المقوّمة لمواهيها وخصائصها ومميزاتها الملائمة لوفائها بما خلقت لأجله كما حمل قوله :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذرياتهم [ الأعراف : 172 ] الآية . واختتام الآية بالعلّة من قوله :
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ
[ الأحزاب : 73 ] إلى نهاية السورة يقتضي أن للأمانة المذكورة في هذه الآية مزيد اختصاص بالعبرة في أحوال المنافقين والمشركين من بين نوع الإنسان في رعي الأمانة وإضاعتها . فحقيق بنا أن نقول : إن هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوع الإنسان لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإنسان علم أن المراد بالإنسان نوعه لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لما كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة ارتباط بتعذيب المنافقين والمشركين ، ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانة حكمة
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 344 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور