تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
والسادة : جمع سيّد . قال أبو علي : وزنة فعلة ، أي مثل كملة لكن على غير قياس لأن صيغة فعلة تطّرد في جمع فاعل لا في جمع فيعل ، فقلبت الواو ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها . وأما السادات فهو جمع الجمع بزيادة ألف وتاء بزنة جمع المؤنث السالم . والسادة : عظماء القوم والقبائل مثل الملوك . وقرأ الجمهور
سادَتَنا
. وقرأ ابن عامر ويعقوب ساداتنا بألف بعد الدال وبكسر التاء لأنه جمع بألف وتاء مزيدتين على بناء مفرده . وهو جمع الجمع الذي هو سادة . والكبراء : جمع كبير وهو عظيم العشيرة ، وهم دون السادة فإن كبيرا يطلق على رأس العائلة فيقول المرء لأبيه : كبيري ، ولذلك قوبل قولهم :
يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
[ الأحزاب : 66 ] بقولهم :
أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا
. وجملة
إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
خبر مستعمل في الشكاية والتذمر ، وهو تمهيد لطلب الانتصاف من سادتهم وكبرائهم . فالمقصود الإفضاء إلى جملة
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ
. ومقصود من هذا الخبر أيضا الاعتذار والتنصل من تبعة ضلالهم بأنهم مغرورون مخدوعون ، وهذا الاعتذار مردود عليهم بما أنطقهم اللّه به من الحقيقة إذ قالوا :
إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا
فيتجه عليهم أن يقال لهم : لما ذا أطعتموهم حتى يغروكم ، وهذا شأن الدهماء أن يسوّدوا عليهم من يعجبون بأضغاث أحلامه ، ويغرّون بمعسول كلامه ، ويسيرون على وقع أقدامه ، حتى إذا اجتنوا ثمار أكمامه ، وذاقوا مرارة طعمه وحرارة أوامه ، عادوا عليه باللائمة وهم الأحقاء بملامه . وحرف التوكيد لمجرد الاهتمام لا لرد إنكار ، وتقديم قولهم :
إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا
اهتمام بما فيه من تعليل لمضمون قولهم :
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
لأن كبراءهم ما تأتّى لهم إضلالهم إلا بتسبب طاعتهم العمياء إياهم واشتغالهم بطاعتهم عن النظر والاستدلال فيما يدعونهم إليه من فساد وو خامة مغبّة . وبتسبب وضعهم أقوال سادتهم وكبرائهم موضع الترجيح على ما يدعوهم إليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وانتصب
السَّبِيلَا
على نزع الخافض لأن أضل لا يتعدّى بالهمزة إلا إلى مفعول واحد قال تعالى :
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ
[ الفرقان : 29 ] . وظاهر « الكشاف » أنه يتعدّى إلى مفعولين ، فيكون ( ضل ) المجرد يتعدى إلى مفعول واحد . تقول : ضللت الطريق ، و ( أضل ) يتعدى بالهمزة إلى مفعولين . وقاله ابن عطية .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 338 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور